الجصاص
374
أحكام القرآن
جنين البقرة : " إنها بهيمة الأنعام " ، وهو كذلك ، لأن البقرة من الأنعام . وإنما قال : ( بهيمة الأنعام ) وإن كانت الأنعام كلها من البهائم ، لأنه بمنزلة قوله : " أحل لكم البهيمة التي هي الأنعام " فأضاف البهيمة إلى الأنعام وإن كانت هي ، كما تقول : نفس الانسان . مطلب : كل ما أباحه الله تعالى للمؤمنين فهو مباح لغيرهم من سائر المكلفين إلا أن يخص بعضهم دليل ومن الناس من يظن أن هذه الإباحة معقودة بشرط الوفاء بالعقود المذكورة في الآية ، وليس كذلك ، لأنه لم يجعل الوفاء بالعقود شرطا للإباحة ولا أخرجه مخرج المجازاة ، ولكنه وجه الخطاب إلينا بلفظ الإيمان في قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) . ولا يوجب ذلك الاقتصار بالإباحة على المؤمنين دون غيرهم ، بل الإباحة عامة لجيمع المكلفين كفارا كانوا أو مؤمنين ، كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) [ الأحزاب : 49 ] وهو حكم عام في المؤمنين والكفار مع ورود اللفظ خاصا بخطاب المؤمنين . وكذلك كل ما أباحه الله تعالى للمؤمنين فهو مباح لسائر المكلفين ، كما أن كل ما أوجبه وفرضه فهو فرض على جميع المكلفين إلا أن يخص بعضهم دليل ، وكذلك قلنا : إن الكفار مستحقون للعقاب على ترك الشرائع كما يستحقون على ترك الإيمان . فإن قيل : إذا كان ذبح البهائم محظورا إلا بعد ورود السمع به ، فمن لم يعتقد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم واستباحته من طريق الشرع فحكمه في حظره عليه باق على الأصل ، وقائل هذا القول يقول إن ذبح البهائم محظور على الكفار أهل الكتاب منهم وغيرهم وهم عصاة في ذبحها ، وإن كان أكل ما ذبحه أهل الكتاب مباحا لنا . وزعم هذا القائل أن للملحد أن يأكل بعد الذبح وليس له أن يذبح . وليس هذا عند سائر أهل العلم كذلك ، لأنه لو كان أهل الكتاب عصاة بذبحهم لأجل دياناتهم لوجب أن تكون ذبائحهم غير مذكاة ، مثل المجوسي لما كان ممنوعا من الذبح لأجل اعتقاده لم يكن ذبح ذكاة ، وفي ذلك دليل على أن الكتابي غير عاص في ذبح البهائم وأنه مباح له كهو لنا . وأما قوله : " إنه إذا لم يعتقد صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم واستباحته من طريق الشرع فحكم حظر الذبح قائم عليه " فليس كذلك ، لأن اليهود والنصارى قد قامت عليهم حجة السمع بكتب الأنبياء المتقدمين في إباحة ذبح البهائم . وأيضا فإن ذلك لا يمنع صحة ذكاته ، لأن رجلا لو ترك التسمية على الذبيحة عامدا لكان عندنا عاصيا بذلك ، وكان لمن يعتقد جواز ترك التسمية عليها أن يأكلها ، ولم يكن كون الذابح عاصيا مانعا صحة ذكاته .