الجصاص
375
أحكام القرآن
قوله عز وجل : ( إلا ما يتلى عليكم ) روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي : ( إلا ما يتلى عليكم ) : " يعني قوله : حرمت عليكم الميتة والدم وسائر ما حرم في القرآن " . وقال آخرون : " إلا ما يتلى عليكم من أكل الصيد وأنتم حرم " . فكأنه قال على هذا التأويل : إلا ما يتلى عليكم في نسق هذا الخطاب . قال أبو بكر : يحتمل قوله : ( إلا ما يتلى عليكم ) مما قد حصل تحريمه ، على نحو ما روي عن ابن عباس ، فإذا أريد به ذلك لم يكن اللفظ مجملا لأن ما قد حصل تحريمه قبل ذلك هو معلوم ، فيكون قوله : ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) عموما في إباحة جميعها إلا ما خصه الآي التي فيها تحريم ما حرم منها ، وجعل هذه الإباحة مرتبة على آي الحضر وهو قوله : ( حرمت عليكم الميتة والدم ) ويحتمل أن يريد بقوله : ( إلا ما يتلى عليكم ) : إلا ما يبين حرمته ، فيكون مؤذنا بتحريم بعضها علينا في وقت ثان ، فلا يسلب ذلك الآية حكم العموم أيضا . ويحتمل أن يريد أن بعض بهيمة الأنعام محرم عليكم الآن تحريما يرد بيانه في الثاني ، فهذا يوجب إجمال قوله تعالى : ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) لاستثنائه بعضها ، فهو مجهول المعنى عندنا ، فيكون اللفظ مشتملا على إباحة وحظر على وجه الاجمال ، ويكون حكمه موقوفا على البيان . وأولى الأشياء بنا إذا كان في اللفظ احتمال لما وصفنا من الاجمال والعموم حمله على معنى العموم لإمكان استعماله ، فيكون المستثنى منه ما ذكر تحريمه في القرآن من الميتة ونحوها . فإن قيل : قوله تعالى : ( إلا ما يتلى عليكم ) يقتضي تلاوة مستقبلة لا تلاوة ماضية ، وما قد حصل تحريمه قبل ذلك فقد تلي علينا فوجب حمله على تلاوة ترد في الثاني . قيل له : يجوز أن يريد به ما قد تلى علينا ويتلى في الثاني ، لأن تلاوة القرآن غير مقصورة على حال ماضية دون مستقبلة ، بل علينا تلاوته في المستقبل كما تلوناه في الماضي ، فتلاوة ما قد نزل قبل ذلك من القرآن ممكنة في المستقبل ، وتكون حينئذ فائدة هذا الاستثناء إبانة عن بقاء حكم المحرمات قبل ذلك من بهيمة الأنعام وأنه غير منسوخ ، ولو أطلق اللفظ من غير استثناء مع تقدم نزول تحريم كثير من بهيمة الأنعام لأوجب ذلك نسخ التحريم وإباحة الجميع منها . قوله تعالى : ( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) . قال أبو بكر : فمن الناس من يحمله على معنى : إلا ما يتلى عليكم من أكل الصيد وأنتم حرم ، فيكون المستثنى بقوله : ( إلا ما يتلى عليكم ) هو الصيد الذي حرمه على المحرمين . وهذا تأويل يؤدي إلى اسقاط حكم الاستثناء الثاني ، وهو قوله : ( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) ويجعله بمنزلة قوله : إلا ما يتلى عليكم ، وهو تحريم الصيد على المحرم ، وذلك تعسف في التأويل . ويوجب ذلك أيضا أن يكون الاستثناء من إباحة بهيمة الأنعام مقصورا على الصيد ، وقد علمنا أن