الجصاص
29
أحكام القرآن
الآي الموجبة للقصاص مرتب على ما ذكرنا من الأمن بدخول الحرم ، ويكون ذلك مخصوصا من آي القصاص ، وأيضا فإن قوله تعالى : ( كتب عليكم القصاص ) [ البقرة : 178 ] وارد في إيجاب القصاص لا في حكم الحرم ، وقوله : ( ومن دخله كان آمنا ) وارد في حكم الحرم ووقوع الأمن لمن لجأ إليه ، فيجري كل واحد منهما على بابه ويستعمل فيما ورد فيه ولا يعترض بآي القصاص على حكم الحرم . ومن جهة أخرى أن إيجاب القصاص لا محالة متقدم لإيجاب أمانه بالحرم ، لأنه لو لم يكن القصاص واجبا قبل ذلك استحال أن يقال هو آمن مما لم يجن ولم يستحق عليه ، فدل ذلك على أن الحكم بأمنه بدخول الحرم متأخر عن إيجاب القصاص . ومن جهة الأثر حديث ابن عباس وأبي شريح الكعبي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله حرم مكة ولم تحل لأحد قبلي ولا أحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار " ، فظاهر ذلك يقتضي حظر قتل اللاجئ إليه والجاني فيه ، إلا أن الجاني فيه لا خلاف فيه أنه يؤخذ بجنايته ، فبقي حكم اللفظ في الجاني إذا لجأ إليه . وروى حماد بن سلمة عن حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن أعتى الناس على الله عز وجل رجل قتل غير قاتله أو قتل في الحرم أو قتل بذحل الجاهلية " ، وهذا أيضا يحظر عمومه قتل كل من كان فيه ، فلا يخص منه شئ إلا بدلالة . وأما ما دون النفس فإنه يؤخذ به ، لأنه لو كان عليه دين فلجأ إلى الحرم حبس به لقوله صلى الله عليه وسلم : " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " ، والحبس في الدين عقوبة ، فجعل الحبس عقوبة وهو فيما دون النفس ، فكل حق وجب فيما دون النفس أخذ به وإن لجأ إلى الحرم قياسا على الحبس في الدين . وأيضا لا خلاف بين الفقهاء أنه مأخوذ بما أيجب عليه فيما دون النفس ، وكذلك لا خلاف أن الجاني في الحرم مأخوذ بجنايته في النفس وما دونها ، ولا خلاف أيضا أنه إذا جنى في غير الحرم ثم دخل الحرم أنه إذا لم يجب قتله في الحرم أنه لا يبايع ولا يشارى ولا يؤوى حتى يخرج ، ولما ثبت عندنا أنه لا يقتل وجب استعمال الحكم الآخر فيه في ترك مشاراته ومبايعته وإيوائه . فهذه الوجوه كلها لا خلاف فيها ، وإنما الخلاف فيمن جنى في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم ، وقد دللنا عليه ، وما عدا ذلك فهو محمول على ما حصل عليه الاتفاق . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل قال : حدثنا يعقوب بن حميد قال : حدثنا عبد الله بن الوليد عن سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يسكن مكة سافك دم ولا آكل ربا ولا مشاء بنميمة " ، وهذا يدل على أن القاتل إذا دخل الحرم لم يؤو ولم يجالس ولم يبايع ولم يشار