الجصاص
30
أحكام القرآن
ولم يطعم ولم يسق حتى يخرج ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يسكنها سافك دم " . وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال : حدثنا داود بن عمرو قال : حدثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس قال : " إذا دخل القاتل الحرم لم يجالس ولم يبايع ولم يؤو واتبعه طالبه يقول له : اتق الله في دم فلان واخرج من الحرم " . ونظير قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) قوله عز وجل : ( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) [ العنكبوت : 67 ] ، وقوله : ( أو لم نمكن لهم حرما آمنا [ القصص : 57 ] ، وقوله : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وآمنا ) [ البقرة : 125 ] ، فهذه الآي متقاربة المعاني في الدلالة على حظر قتل من لجأ إليه وإن كان مستحقا للقتل قبل دخوله . ولما عبر تارة بذكر البيت وتارة بذكر الحرم دل على أن الحرم في حكم البيت في باب الأمن ومنع قتل من لجأ إليه . ولما لم يختلفوا أنه لا يقتل من لجأ إلى البيت لأن الله تعالى وصفه بالأمن فيه ، وجب مثله في الحرم فيمن لجأ إليه . فإن قيل : من قتل في البيت لم يقتل فيه ومن قتل في الحرم قتل فيه ، فليس الحرم كالبيت . قيل له : لما جعل الله حكم الحرم حكم البيت فيما عظم من حرمته ، وعبر تارة بذكر البيت وتارة بذكر الحرم ، اقتضى ذلك التسوية بينهما إلا فيما قام دليل تخصيصه ، وقد قامت الدلالة في حظر القتل في البيت فخصصناه ، وبقي حكم الحرم على ما اقتضاه ظاهر القرآن من إيجاب التسوية بينهما ، والله تعالى أعلم . باب فرض الحج قال الله تعالى : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) قال أبو بكر : هذا ظاهر في إيجاب فرض الحج على شريطة وجود السبيل إليه . والذي يقتضيه من حكم السبيل أن كل من أمكنه الوصول إلى الحج لزمه ذلك ، إذ كانت استطاعة السبيل إليه هي إمكان الوصول إليه ، كقوله تعالى : ( فهل إلى خروج من سبيل ) [ غافر : 11 ] يعني : من وصول ، و ( هل إلى مرد من سبيل ) [ الشورى : 44 ] يعني : من وصول . وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم من شرط استطاعة السبيل إليه وجود الزاد والراحلة . وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من ملك زادا وراحلة يبلغه بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ، وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) . وروى إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد عن ابن عمر قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل : ولله على