الجصاص
286
أحكام القرآن
فقال : " قد تصدقت به عليك " أن ذلك براءة صحيحة وأنه لا يحتاج في صحة هذه البراءة إلى قبول المبرأ منه ، ولذلك قال أصحابنا : إن البراءة واقعة ما لم يردها المبرأ منه . وقال زفر : " لا يبرئ الغريم من الدين إلا أن يقبل البراءة وكذلك الصدقة " ، وجعله بمنزلة هبة الأعيان . وظاهر الآية يدل على صحة قول أصحابنا لأنه لم يشرط القبول ولأن الدين حق فيصح إسقاطه كالعفو عن دم العمد والعتق ولا يحتاج إلى قبول . وقال أصحابنا : " إذا رد المبرأ منه البراءة من الدين عاد الدين " ، وقال غيرهم : " لا يعود " وجعلوه كالعتق والعفو عن دم العمد . والدليل على صحة قولنا إن البراءة من الدين يلحقها الفسخ ، ألا ترى أنه لو صالحه على ثوب برئ فإن هلك الثوب قبل القبض بطلت البراءة وعاد الدين ؟ والعتق والعفو عن الدم لا ينفسخان بحال . ويدل أيضا على وقوع البراءة من الدين بلفظ التمليك أن الصدقة من ألفاظ التملك ، وقد حكم بصحة البراءة بها ، وأنه ليس بمنزلة الأعيان إذا ملكها غيره بلفظ الإبراء ، فلا يملك ، مثل أن يقول : " قد أبرأتك من هذا العبد " فلا يملكه وإن قبل البراءة ، وإذا قال : " قد تصدقت بما لي عليك من الدين ، أو قد وهبت لك ما لي عليك " صحت البراءة . ويدل على ذلك أن من له على غيره دين وهو غني فقال : " قد تصدقت به عليك " برئ منه ، لأن الله تعالى لم يفرق بين الغني والفقير في ذلك . ويدل على أن الأهل يعبر به عن الأولياء والورثة ، لأن قوله : ( فدية مسلمة إلى أهله ) معناه : إلى ورثته . وقال محمد بن الحسن فيمن أوصى لأهل فلان : " إن القياس أن يكون ذلك لزوجاته ، إلا أني قد تركت القياس وجعلته لكل من كان في عياله " . قال أبو بكر : " الأهل اسم يقع على الزوجة وعلى جميع من يشتمل عليه منزله وعلى أتباع الرجل وأشياعه ، قال الله تعالى : ( إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك ) [ العنكبوت : 33 ] فكان ذلك على جميع أهل منزله من أولاده وغيرهم ، وقال : ( فأنجيناه وأهله أجمعين ) [ الشعراء : 170 ] ، ويقع على من اتبعه في دينه كقوله : ( ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له ونجيناه وأهله من الكرب العظيم ) [ الأنبياء : 76 ] فسمى أتباعه في دينه أهله ، وقال في ابنه : ( إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ) [ هود : 46 ] . فاسم الأهل يقع على معان مختلفة ، وقد يطلق اسم الأهل ويراد به الآل وهو قراباته من قبل الأب ، كما يقال : " آل النبي وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم " وهما سواء . باب شبه العمد قال أبو بكر : أصل أبي حنيفة في ذلك أن العمد ما كان بسلاح أو ما يجري مجراه ،