الجصاص

259

أحكام القرآن

وصفته وحال نبوته ، وكانوا يوعدون العرب بالقتل عند مبعثه ، لأنهم زعموا أنهم لا يتبعونه ، وكانوا يظنون أنه يكون من بني إسرائيل ، فلما بعثه الله تعالى من ولد إسماعيل حسدوا العرب وأظهروا الكفر به وجحدوا ما عرفوه ، قال الله تعالى : ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ) [ البقرة : 89 ] ، وقال الله تعالى : ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم ) [ البقرة : 109 ] فكانت عداوة اليهود للعرب ظاهرة بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم حسدا منهم لهم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثا منهم ، فالأظهر من معنى الآية حسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم وللعرب . والحسد هو تمني زوال النعمة عن صاحبها ، ولذلك قيل : إن كل أحد تقدر أن ترضيه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها ، والغبطة غير مذمومة لأنها تمني مثل النعمة من غير زوالها عن صاحبها بل مع سرور منه ببقائها عليه . قوله تعالى : ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ) قيل فيه : إن الله تعالى يجدد لهم جلودا غير الجلود التي احترقت ، والقائلون بهذا هم الذين يقولون إن الجلد ليس بعض الانسان ، وكذلك اللحم والعظم ، وإن الانسان هو الروح اللابس لهذا البدن . ومن قال إن الجلد هو بعض الانسان وإن الانسان هو هذا الشخص بكماله ، فإنه يقول إن الجلود تجدد بأن ترد إلى الحال التي كانت عليها غير محترقة ، كما يقال لخاتم كثر ثم صيغ خاتم آخر : هذا الخاتم غير ذاك الخاتم ، وكما يقال لمن قطع قميصه قباء : هذا اللباس غير ذاك اللباس . وقال بعضهم : التبديل إنما هو للسرابيل التي قد ألبسوها ، وهو تأويل بعيد لأن السرابيل لا تسمى جلودا ، والله تعالى أعلم . باب ما أوجب الله تعالى من أداء الأمانات قال الله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) اختلف أهل التفسير في المأمورين بأداء الأمانة في هذه الآية من هم ، فروي عن زيد بن أسلم ومكحول وشهر بن حوشب أنهم ولاة الأمر . وقال ابن جريج : " إنها نزلت في عثمان بن طلحة ، أمر بأن ترد عليه مفاتيح الكعبة " . وقال ابن عباس وأبي بن كعب والحسن وقتادة : " هو في كل مؤتمن على شئ " ، وهذا أولى لأن قوله تعالى : ( إن الله يأمركم ) خطاب يقتضي عمومه سائر المكلفين ، فغير جائز الاقتصار به على بعض الناس دون بعض إلا بدلالة ، وأظن من تأوله على ولاة الأمر ذهب إلى قوله تعالى : ( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) لما كان خطابا لولاة الأمر كان ابتداء الخطاب منصرفا إليهم ، وليس ذلك كذلك ، إذ لا يمتنع أن يكون أول الخطاب عموما في سائر الناس وما عطف عليه