الجصاص
250
أحكام القرآن
يا رسول الله أليس قد حدثتنا أن هذه الأمة أكثر الأمم مملوكين وأتباعا ؟ قال : " بلى ، فأكرموهم ككرامة أولادكم وأطعموهم مما تأكلون " . وروى الأعمش عن المعرور بن سويد قال : مررت على أبي ذر وهو بالربذة ، فسمعته يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المماليك هم إخوانكم ولكن الله تعالى خولكم إياهم ، فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون " . مطلب : في معنى البخل لغة وشرعا قوله تعالى : ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ) . قيل في معنى البخل في اللغة : إنه مشقة الإعطاء ، وقيل : البخل منع ما لا ينفع منعه ولا يضر بذله . وقيل : البخل منع الواجب ، ونظيره الشح ، ونقيضه الجود . وقد عقل من معناه في أسماء الدين أنه منع الواجب . ويقال : إنه لا يصح إطلاقه في الدين إلا على جهة أن فاعله قد أتى كبيرة بالمنع ، قال الله تعالى : ( ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) [ آل عمران : 18 ] فأطلق الوعيد على من بخل بحق الله الذي أوجبه في ماله . وأما قوله تعالى : ( ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ) فإنه قد روي عن ابن عباس ومجاهد والسدي أنها نزلت في اليهود إذ بخلوا بما أعطوا من الرزق وكتموا ما أوتوا من العلم بصفة محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : هو فيمن كان بهذه الصفة وفيمن كتم نعم الله وأنكرها ، وذلك كفر بالله تعالى . قال أبو بكر : الاعتراف بنعم الله تعالى واجب وجاحدها كافر ، وأصل الكفر إنما هو من تغطية نعم الله تعالى وكتمانها وجحودها . وهذا يدل على أنه جائز للإنسان أن يتحدث بنعم الله عنده ، لا على جهة الفخر بل على جهة الاعتراف بالنعمة والشكر للمنعم ، وهو كقوله : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) [ الضحى : 11 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر ، وأنا أفصح العرب ولا فخر " ، فأخبر بنعم الله عنده وأبان أنه ليس اخباره بها على وجه الافتخار . وقال صلى الله عليه وسلم : " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " وقد كان صلى الله عليه وسلم خيرا منه ، ولكنه نهى أن يقال ذلك على وجه الافتخار . وقال تعالى : ( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) [ النجم : 32 ] . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلا يمدح رجلا فقال : " لو سمعك لقطعت ظهره " . ورأى المقداد رجلا يمدح عثمان