الجصاص

251

أحكام القرآن

في وجهه فحثا في وجهه التراب وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب " . وقد روي : " إياكم والتمادح فإنه الذبح " . فهذا إذا كان على وجه الفخر فقد كره ، وأما أن يتحدث بنعم الله عنده أو يذكرها غيره بحضرته فهذا نرجو أن لا يضر ، إلا أن أصلح الأشياء لقلب الانسان أن لا يغتر بمدح الناس له ولا يعتد به . وقوله تعالى : ( والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) معناه والله أعلم : أنه أعد للذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل والذين ينفقون أموالهم رياء الناس عذابا مهينا ، وفي ذلك دليل على أن كل ما يفعله العبد لغير وجه الله فإنه لا قربة فيه ولا يستحق عليه الثواب ، لأن ما يفعل على وجه الرياء فإنما يريد به عوضا من الدنيا كالذكر الجميل والثناء الحسن ، فصار ذلك أصلا في أن كل ما أريد به عوض من أعواض الدنيا أنه ليس بقربة ، كالاستيجار على الحج وعلى الصلاة الصلاة وسائر القرب ، أنه متى استحق عليه عوضا يخرج بذلك عن باب القربة . وقد علمنا أن هذه الأشياء سبيلها أن لا تفعل إلا على وجه القربة ، فثبت بذلك أنه لا يجوز أن يستحق عليها الأجرة وأن الإجارة عليها باطلة . قوله تعالى : ( وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ) يدل على بطلان مذهب أهل الجبر ، لأنهم لو لم يكونوا مستطيعين للإيمان بالله والإنفاق لما جاز أن يقال ذلك فيهم ، لأن عذرهم واضح وهو أنهم غير ممكنين مما دعوا إليه ولا قادرين عليه ، كما لا يقال للأعمى : " ماذا عليه لو أبصر " ولا يقال للمريض : " ماذا عليه لو كان صحيحا " ، وفي ذلك أوضح دليل على أن الله قطع عذرهم من فعل ما كلفهم من الإيمان وسائر الطاعات وأنهم ممكنون من فعلها . وقوله تعالى : ( يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ) ، فأخبر الله عنهم أنهم لا يكتمون الله هناك شيئا من أحوالهم وما عملوه ، لعلمهم بأن الله مطلع عليهم عالم بأسرارهم ، فيقرون بها ولا يكتمونها . وقيل : يجوز أن يكون المراد أنهم لا يكتمون أسرارهم هناك كما كانوا يكتمونها في الدنيا . فإن قيل : قد أخبر الله عنهم أنهم يقولون والله ربنا ما كنا مشركين . قيل له : فيه وجوه ، أحدها : أن الآخرة مواطن فموطن لا تسمع فيه إلا همسا أي صوتا خفيا ، وموطن يكذبون فيه فيقولون ما كنا نعمل من سوء والله ربنا ما كنا مشركين ، وموطن يعترفون فيه بالخطأ ويسألون الله أن يردهم إلى دار الدنيا ، وروي ذلك عن الحسن . وقال ابن عباس :