الجصاص

214

أحكام القرآن

من الأمة يكون عبدا لسيدها ، ولم يكره استيلاد الأمة بملك اليمين لأن ولده منها يكون حرا . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق معنى الآية في كراهة نكاح الأمة ، حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا محمد بن الفضل بن جابر السقطي قال : حدثنا محمد بن عقبة بن هرم السدوسي قال : حدثنا أبو أمية بن يعلى قال : حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انكحوا الأكفاء وأنكحوهن واختاروا لنطفكم وإياكم والزنج فإنه خلق مشوه " . قوله : " انكحوا الأكفاء " يدل على كراهة نكاح الأمة لأنها ليست بكفو للحر ، وقوله : " اختاروا لنطفكم " يدل على ذلك أيضا لئلا يصير ولده عبدا مملوكا وماؤه ماء حر فينتقل بتزويجه إلى الرق . وروي في خبر آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " تخيروا لنطفكم فإن عرق السوء يدرك ولو بعد حين " . مطلب : البيان من الله تعالى على وجهين وقوله تعالى : ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ) يعني والله أعلم : يريد ليبين لنا ما بنا الحاجة إلى معرفته . والبيان من الله تعالى على وجهين : أحدهما بالنص والآخر بالدلالة ، ولا تخلو حادثة صغيرة ولا كبيرة إلا ولله فيها حكم إما بنص وإما بدليل ، وهو نظير قوله : ( ثم إن علينا بيانه ) [ القيامة : 19 ] ، وقوله : ( هذا بيان للناس ) [ آل عمران : 138 ] ، وقوله : ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) [ الانعام : 38 ] . وقوله : ( ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) من الناس من يقول : " إن هذا يدل على أن ما حرمه علينا وبين لنا تحريمه من النساء في الآيتين اللتين قبل هذه الآية كان محرما على الذين كانوا من قبلنا من أمم الأنبياء المتقدمين " . وقال آخرون : " لا دلالة فيه على اتفاق الشرائع ، وإنما معناه أنه يهديكم سنن الذين من قبلكم في بيان ما لكم فيه من المصلحة كما بينه لهم ، وإن كانت العبادات والشرائع مختلفة في أنفسها ، إلا أنها وإن كانت مختلفة في أنفسها فهي متفقة في باب المصالح " . وقال آخرون : " يبين لكم سنن الذين من قبلكم من أهل الحق وغيرهم لتجتنبوا الباطل وتحبوا الحق " . وقوله تعالى : ( ويتوب عليكم ) يدل على بطلان مذهب أهل الإجبار ، لأنه أخبر أنه يريد أن يتوب علينا ، وزعم هؤلاء أنه يريد من المصرين الإصرار ولا يريد منهم التوبة والاستغفار . قوله تعالى : ( ويريد الذين يتبعون الشهوات ) فقال قائلون : " المراد به كل مبطل ، لأنه يتبع شهوة نفسه فيما وافق الحق أو خالفه ولا يتبع الحق في مخالفة الشهوة " . وقال مجاهد : " أراد به الزنا " . وقال السدي : " اليهود والنصارى " .