الجصاص

215

أحكام القرآن

وقوله : ( أن تميلوا ميلا عظيما ) يعني به العدول عن الاستقامة بالاستكثار من المعصية ، وتكون إرادتهم للميل على أحد وجهين : إما لعداوتهم ، أو للأنس بهم والسكون إليهم في الإقامة على المعصية ، فأخبر الله تعالى أن إرادته لنا خلاف إرادة هؤلاء . وقد دلت الآية على أن القصد في اتباع الشهوة مذموم ، إلا أن يوافق الحق فيكون حينئذ غير مذموم في اتباع شهوته ، إذ كان قصده اتباع الحق . ولكن من كان هذا سبيله لا يطلق عليه أنه متبع لشهوته ، لأن مقصده فيه اتباع الحق وافق شهوته أو خالفها . قوله تعالى : ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا ) . التخفيف هو تسهيل التكليف وهو خلاف التثقيل ، وهو نظير قوله تعالى : ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) [ الأعراف : 157 ] ، وقوله تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) [ البقرة : 185 ] ، وقوله تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) [ الحج : 78 ] ، وقوله تعالى : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ) [ المائدة : 6 ] ، فنفى الضيق والثقل والحرج عنا في هذه الآيات . ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم : " جئتكم بالحنيفة السمحة " ، وذلك لأنه وإن حرم علينا ما ذكرنا تحريمه من النساء فقد أباح لنا غيرهن من سائر النساء تارة بنكاح وتارة بملك يمين ، وكذلك سائر المحرمات قد أباح لنا من جنسها أضعاف ما حظر فجعل لنا مندوحة عن الحرام بما أباح من الحلال . مطلب : في المعنى المراد من قول ابن مسعود : إن الله لم يجعل شفاء كم فيما حرم عليكم وعلى هذا المعنى ما روي عن عبد الله بن مسعود : " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم " يعني أنه لم يقتصر بالشفاء على المحرمات بل جعل لنا مندوحة وغنى عن المحرمات بما أباحه لنا من الأغذية والأدوية حتى لا يضرنا فقد ما حرم في أمور دنيانا . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما . وهذه الآيات يحتج بها في المصير إلى التخفيف فيما اختلف فيه الفقهاء وسوغوا فيه الاجتهاد ، وفيه الدلالة على بطلان مذهب المجبرة في قولهم إن الله يكلف العباد ما لا يطيقون ، لإخباره بأنه يريد التخفيف عنا ، وتكليف ما لا يطاق غاية التثقيل ، والله أعلم بمعاني كتابه . باب التجارات وخيار البيع قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) . قال أبو بكر : قد انتظم هذا العموم النهي عن أكل مال الغير