الجصاص
195
أحكام القرآن
( فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ) ، فذكر الإحصان عقيب ذكر النكاح وسمى المهر أجرا . وقوله : ( فريضة ) تأكيد لوجوبه وإسقاط للظن وتوهم التأويل فيه ، إذ كان الفرض ما هو في أعلى مراتب الإيجاب ، والله أعلم بالصواب . باب الزيادة في المهور قال الله تعالى بعد ذكر المهر : ( ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ) ، والفريضة ههنا التسمية والتقدير ، كفرائض المواريث والصدقات ، وقد بينا ذلك فيما سلف ، وروي عن الحسن في قوله تعالى : ( ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ) أنه ما تراضيتم به من حط بعض الصداق أو تأخيره أو هبة جميعه . وفي هذه الآية دلالة على جواز الزيادة في المهر لقوله تعالى : ( فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ) وهو عموم في الزيادة والنقصان والتأخير والإبراء ، وهو بالزيادة أخص منه بغيرها ، لأنه علقه بتراضيهما ، والبراءة والحط والتأخير لا يحتاج في وقوعه إلى رضى الرجل ، والزيادة لا تصح إلا بقبولهما ، فلما علق ذلك بتراضيهما جميعا دل على أن المراد الزيادة . ولا يجوز الاقتصار به على البراءة والحط والتأجيل ، لأن عموم اللفظ يقتضي جواز الجميع ، فلا يخص بغير دلالة ، ولأن الاقتصار به على ما ذكرت يسقط فائدة ذكر تراضيهما جميعا وإضافة ذلك إليهما ، وغير جائز اسقاط حكم اللفظ والاقتصار به على ما يجعل وجوده وعدمه سواء . وقد اختلف الفقهاء في الزيادة في المهر ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : " الزيادة في الصداق بعد النكاح جائزة وهي ثابتة إن دخل بها أو مات عنها ، وإن طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة وكان لها نصف المسمى في العقد " . وقال زفر بن الهذيل والشافعي : " الزيادة بمنزلة هبة مستقبلة " إذا قبضتها جازت في قولهما جميعا ، وإن لم تقبضها بطلت . وقال مالك بن أنس : " تصح الزيادة ، فإن طلقها قبل الدخول رجع نصف ما زادها إليه وهي بمنزلة مال وهبه لها يقوم به عليه ، وإن مات عنها قبل أن تقبض فلا شئ لها منه لأنها عطية لم تقبض " . قال أبو بكر : قد ذكرنا وجه دلالة الآية على جواز الزيادة ، ومما يدل على جواز الزيادة أن عقد النكاح في ملكهما ، والدليل على ذلك أنه جائز له أن يخلعها على البضع فيأخذ منها بدله فهما مالكان للتصرف في البضع ، فلما كان العقد في ملكهما وجب أن تجوز الزيادة فيه كما جازت في ابتداء عقد النكاح من حيث كانا مالكين للعقد ، إذا كان الملك هو التصرف وتصرفهما جائز فيه . ويدل عليه اتفاق الجميع على أنه إذا قبضها