الجصاص
196
أحكام القرآن
جاز ، فلا يخلو بعد الإقباض من أن تكون هبة مستقبلة على ما قال زفر والشافعي أو زيادة في المهر لاحقه بالعقد على ما ذكرنا ، وغير جائز أن تكون هبة مستقبلة ، لأنهما لم يدخلا فيها على أنها هبة وإنما أوجباها على أنها بدل من البضع لاحقة بالعقد ، ولا يجوز لنا أن نلزمهما عقدا لم يعقداه على أنفسهما لقوله تعالى : ( أوفوا بالعقود ) [ المائدة : 1 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : " المسلمون عند شروطهم " ، فإذا عقدا على أنفسهما عقدا لم يجز لنا إلزامهما عقدا غيره بظاهر الآية والسنة ، إذ كانت الآية إنما اقتضت إيجاب الوفاء بنفس العقد الذي عقده لا بغيره ، لأن إلزامه عقدا غيره لا يكون وفاء بالعقد الذي عقده ، وكذلك قوله : " المسلمون عند شروطهم " يقتضي الوفاء بالشرط ، وليس في اسقاط الشرط وإلزامهما معنى غيره الوفاء بالشرط ، فدلت الآية والسنة معا على بطلان قول المخالف من وجهين ، أحدهما : اقتضاء عمومهما لإيجاب الوفاء بالعقد والشرط ، والآخر : ما انتظمتا من امتناع إلزام عقد أو شرط غير ما عقداه ، ولما بطل إلزامهما الهبة بعد القبض وصح التمليك دل على أنها ملكت من جهة الزيادة . ويدل على أنه غير جائز أن يجعلها هبة ، أنها متى كانت زيادة كانت مضمونة على المرأة بالقبض ، لأنها بدل من البضع ، وإذا كانت هبة لم تكن مضمونة عليها ، وإذا كانت زيادة سقطت بالطلاق قبل الدخول ، وإذا كانت هبة لم يؤثر الطلاق فيها ، وإذا دخلا فيها على عقد يوجب الضمان لم يجز لنا إلزامهما عقدا لا ضمان فيه ، ألا ترى أنهما إذا تعاقدا عقد بيع لم يجز إلزامهما عقد هبة ولو تعاقدا عقد إقالة لم يلزمهما عقد بيع مستقبل ؟ وفي ذلك دليل على أنه غير جائز إثبات الهبة بعقد الزيادة ، وإذا لم تكن هبة وقد صح التمليك كانت زيادة لاحقة بالعقد بدلا من البضع مع التسمية . وأما قول مالك في جعله إياها هبة ، ثم قوله : " إنه إذا طلقها قبل الدخول رجع إليه نصف الزيادة " فإنه قول غير منتظم ، لأنها إن كانت هبة فلا تعلق لها بعقد النكاح ولا بالمهر ولا تأثير للطلاق في رجوع شئ منها إليه ، وإن كانت زيادة في المهر فغير جائز بطلانها بالموت . وإنما قال أصحابنا : " إنه إذا طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة كلها " من قبل أن الزيادة لما لم تكن موجودة في العقد وإنما كانت ملحقة به ، وجب أن يكون بقاؤها موقوفا على سلامة العقد أو الدخول بالمرأة ، ألا ترى أن الزيادة في البيع إنما تلحق به على شرط بقاء العقد وأنه متى بطل العقد بطلت الزيادة ؟ فكذلك الزيادة في المهر . مطلب : المهر المسمى يبطل جميعه بالطلاق قبل الدخول وإنما يجب نصف المسمى لها على معنى المتعة فإن قيل : التسمية الموجودة في العقد إنما يبطل بعضها بورود الطلاق عليها قبل