الجصاص
16
أحكام القرآن
( فما أغنت عنهم آلهتهم ) [ هود : 101 ] ولم يكونوا آلهة ولكنهم سموهم آلهة فأجرى الكلام على ما كان في زعمهم واعتقادهم . قوله تعالى : ( قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ) يقال إنه طلب آية لوقت الحمل ليعجل السرور به ، فأمسك على لسانه فلم يقدر أن يكلم الناس إلا بالإيماء ، يروى ذلك عن الحسن والربيع بن أنس وقتادة . وقال في هذه الآية : ( ثلاثة أيام ) وفي موضع آخر في سورة مريم في هذه القصة بعينها : ( ثلاث ليال سويا ) [ مريم : 10 ] عبر تارة بذكر الأيام وتارة بذكر الليالي ، وفي هذا دليل على أن أحد العددين من الجميع عند الإطلاق يعقل به مقداره من الوقت الآخر ، فيعقل من ثلاثة أيام ثلاث ليال معها ومن ثلاث ليال ثلاثة أيام ، ألا ترى أنه لما أراد التفرقة بينهما أفرد كل واحد منهما بالذكر فقال : ( سبع ليال وثمانية أيام حسوما ) [ الحاقة : 7 ] ؟ لأنه لو اقتصر على العدد الأول عقل مثله من الوقت الآخر . قوله تعالى : ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ) . قيل : في قوله : ( اصطفاك ) : " اختارك بالتفضيل على نساء العالمين في زمانهم " يروى ذلك عن الحسن وابن جريج . وقال غيرهما : " معناه أنه اختارك على نساء العالمين بحال جليلة من ولادة المسيح " . وقال الحسن ومجاهد : " وطهرك من الكفر بالإيمان " . قال أبو بكر : هذا سائغ ، كما جاز إطلاق اسم النجاسة على الكافر لأجل الكفر في قوله تعالى : ( إنما المشركون نجس ) [ التوبة : 28 ] والمراد نجاسة الكفر ، فكذلك يكون ( وطهرك ) بطهارة الإيمان . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن المؤمن ليس بنجس " ، يعني به نجاسة الكفر ، وهو كقوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) [ الأحزاب : 33 ] والمراد طهارة الإيمان والطاعات . وقيل : إن المراد " وطهرك من سائر الأجناس من الحيض والنفاس وغيرهما " . مطلب : في أن إضلال الغمامة عليه صلى الله عليه وسلم كان قبل البعثة إرهاصا له وقد اختلف في وجه تطهير الملائكة لمريم وإن لم تكن نبية ، لأن الله تعالى قال : ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ) [ يوسف : 109 ] فقال قائل : " كان ذلك معجزة لزكريا عليه السلام " . وقال آخرون : " على وجه إرهاص نبوة المسيح ، كحال الشهب وإظلال الغمامة ونحو ذلك مما كان لنبينا صلى الله عليه وسلم قبل المبعث " . قوله تعالى : ( يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) قال سعيد : " أخلصي لربك " وقال قتادة : " أديمي الطاعة " . وقال مجاهد : " أطيلي القيام في