الجصاص
17
أحكام القرآن
الصلاة " . وأصل القنوت الدوام على الشئ ، وأشبه هذه الوجوه بالحال الأمر بإطالة القيام في الصلاة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أفضل الصلاة طول القنوت " يعني طول القيام . ويدل عليه قوله عطفا على ذلك : ( واسجدي واركعي ) فأمرت بالقيام والركوع والسجود وهي أركان الصلاة ، ولذلك لم يكن هذا موضع سجدة عند سائر أهل العلم كسائر مواضع السجود لأجل ذكر السجود فيها ، لأنه قد ذكر مع السجود القيام والركوع ، فكان أمرا بالصلاة ، وفي هذا دلالة على أن " الواو " لا توجب الترتيب ، لأن الركوع مقدم على السجود في المعنى ، وقدم السجود ههنا في اللفظ . قوله تعالى : ( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ) قال أبو بكر : حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى : ( إذ يلقون أقلامهم ) قال : " تساهموا على مريم أيهم يكفلها فقرعهم زكريا " . ويقال إن الأقلام ههنا القداح التي يتساهم عليها ، وإنهم ألقوها في جرية الماء ، فاستقبل قلم زكريا عليه السلام جرية الماء مصعدا وانحدرت أقلام الآخرين معجزة لزكريا عليه السلام فقرعهم ، يروى ذلك عن الربيع بن أنس . ففي هذا التأويل أنهم تساهموا عليها حرصا على كفالتها . ومن الناس من يقول : إنهم تدافعوا كفالتها لشدة الأزمة والقحط في زمانها حتى وفق لها زكريا خير الكفلاء . والتأويل الأول أصح ، لأن الله تعالى قد أخبر أنه كفلها زكريا ، وهذا يدل على أنه كان حريصا على كفالتها . ومن الناس من يحتج بذلك على جواز القرعة في العبيد يعتقهم في مرضه ثم يموت ولا مال له غيرهم . وليس هذا من عتق العبيد في شئ لأن الرضا بكفالة الواحد منهم بعينه جائز في مثله ولا يجوز التراضي على استرقاق من حصلت له الحرية ، وقد كان عتق الميت نافذا في الجميع فلا يجوز نقله بالقرعة عن أحد منهم إلى غيره كما لا يجوز التراضي على نقل الحرية عمن وقعت عليه . وإلقاء الأقلام يشبه القرعة في القسمة وفي تقديم الخصوم إلى الحاكم ، وهو نظير ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه " ، وذلك لأن التراضي على ما خرجت به القرعة جائز من غير قرعة ، وكذلك كان حكم كفالة مريم عليها السلام وغير جائز وقوع التراضي على نقل الحرية عمن وقعت عليه . مطلب : في تحقيق معنى البشارة قوله تعالى : ( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح ) .