الجصاص
153
أحكام القرآن
ثم سأله إياها بعض ولده ، فقال : إنها لا تحل لك " . وروى المثنى عن عمرو بن شعيب عن ابن عمر أنه قال : " أيما رجل جرد جارية له فنظر إليه منها يريد ذلك الأمر فإنها لا تحل لابنه " . وعن الشعبي قال : كتب مسروق إلى أهله قال : " انظروا جاريتي فلانة فبيعوها فإني لم أصب منها إلا ما حرمها على ولدي من اللمس والنظر " ، وهو قول الحسن والقاسم بن محمد ومجاهد وإبراهيم . فاتفق هؤلاء السلف على إيجاب التحريم بالنظر واللمس ، وإنما خص أصحابنا النظر إلى الفرج في إيجاب التحريم دون النظر إلى سائر البدن لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها ولا ابنتها " ، فخص النظر إلى الفرج بإيجاب التحريم دون النظر إلى سائر البدن ، وكذلك روي عن ابن مسعود وابن عمر ولم يرو عن غيرهما من السلف خلافه ، فثبت بذلك أن النظر إلى الفرج مخصوص بإيجاب التحريم دون غيره . وكان القياس أن لا يقع تحريم بالنظر إلى الفرج كما لا يقع بالنظر إلى غيره من سائر البدن ، إلا أنهم تركوا القياس فيه للأثر واتفاق السلف ، ولم يوجبوه بالنظر إلى غير الفرج وإن كان لشهوة على ما يقتضيه القياس ، ألا ترى أن النظر لا يتعلق به حكم في سائر الأصول ؟ ألا ترى أنه لو نظر وهو محرم أو صائم فأمنى لا يفسد صومه ولو كان الإنزال عن لمس فسد صومه ولزمه دم لإحرامه ؟ فعلمت أن النظر من غير لمس لا يتعلق به حكم ، فلذلك قلنا إن القياس أن لا يحرم النظر شيئا ، إلا أنهم تركوا القياس في النظر إلى الفرج خاصة لما ذكرنا . ويحتج لمذهب ابن شبرمة بظاهر قوله تعالى : ( فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ) ، واللمس ليس بدخول ، فلا يحرم . والجواب عنه أنه ليس بممتنع أن يريد الدخول أو ما يقوم مقامه ، كما قال تعالى : ( فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا ) [ البقرة : 230 ] فذكر الطلاق ومعناه الطلاق أو ما يقوم مقامه ، ويكون دلالته ما ذكرنا من قول السلف واتفاقهم من غير مخالف لهم على إيجاب التحريم باللمس . ولا خلاف بين أهل العلم أن عقد النكاح على امرأة يوجب تحريمها على الابن ، وروى ذلك عن الحسن ومحمد بن سيرين وإبراهيم وعطاء وسعيد بن المسيب . وقوله تعالى : ( إلا ما قد سلف ) ، فإنه روى عن عطاء : " إلا ما كان في الجاهلية " . قال أبو بكر : يحتمل أن يريد : إلا ما كان في الجاهلية فإنكم لا تؤاخذون به ، ويحتمل : إلا ما قد سلف فإنكم مقرون عليه ، وتأوله بعضهم على ذلك ، وهذا خطأ لأنه لم يرو أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أحدا على عقد نكاح امرأة أبيه وإن كان في الجاهلية . وقد روى البراء : " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بردة بن نيار إلى رجل عرس بامرأة أبيه - وفي بعض الألفاظ : نكح امرأة أبيه - أن يقتله ويأخذ ماله " . وقد كان نكاح امرأة الأب مستفيضا