الجصاص
154
أحكام القرآن
شائعا في الجاهلية ، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم أقر أحدا منهم على ذلك النكاح لنقل واستفاض ، فلما لم ينقل ذلك دل على أن المراد بقوله : ( إلا ما قد سلف ) : فإنكم غير مؤاخذين به ، وذلك لأنهم قبل ورود الشرع بخلاف ما هم عليه كانوا مقرين على أحكامهم ، فأعلمهم الله تعالى أنهم غير مؤاخذين فيما لم تقم عندهم حجة السمع بتركه ، فلا احتمال في قوله : ( إلا ما قد سلف ) في هذا الموضع إلا ما ذكرنا ، وقوله تعالى : ( إلا ما قد سلف ) عند ذكر الجمع بين الأختين يحتمل غير ما ذكر ههنا ، وسنذكره إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى . ومعنى : ( إلا ما قد سلف ) ههنا استثناء منقطع كقوله : " لا تلق فلانا إلا ما لقيت " يعني لكن ما لقيت فلا لوم عليك فيه . وقوله : ( إنه كان فاحشة ) هذه الهاء كناية عن النكاح ، وقد قيل فيه وجهان ، أحدهما : النكاح بعد النهي فاحشة ، ومعناه هو فاحشة ، فكان في هذا الموضع ملغاة وهو موجود في كلامهم ، قال الشاعر : فإنك لو رأيت ديار قوم * وجيران لنا كانوا كرام فأدخل " كان " وهي ملغاة غير معتد بها ، لأن القوافي مجرورة . وقال الله تعالى : ( وكان الله عليما حكيما ) [ النساء : 17 ] والله عليم حكيم . ويحتمل أن يريد به أن ما كان منه في الجاهلية فهو فاحشة فلا تفعلوا مثله ، وهذا لا يكون إلا بعد قيام حجة السمع عليهم بتحريمه ، ومن قال هذا جعل قوله تعالى : ( إلا ما قد سلف ) فإنه يسلم منه بالإقلاع عنه والتوبة منه . قال أبو بكر : والأولى حمله على أنه فاحشة بعد نزول التحريم ، لأن ذلك مراد عند الجميع لا محالة ، ولم تقم الدلالة على أن حجة السمع قد كانت قامت عليهم بتحريمه من جهة الرسل المتقدمين فيستحقون اللوم عليه ، ويدل عليه قوله تعالى : ( إلا ما قد سلف ) وظاهره يقتضي نفي المؤاخذة بما سلف منه . فإن قيل : هذا يدل على أن من عقد نكاحا على امرأة أبيه ووطئها كان وطؤه زنا موجبا للحد ، لأنه سماها فاحشة ، وقال الله تعالى : ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) [ الإسراء : 32 ] . قيل له : الفاحشة لفظ مشترك يقع على كثير من المحظورات ، وقد روي في قوله تعالى : ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) أن خروجها من بيته فاحشة . وروي أن الفاحشة في ذلك أن تستطيل بلسانها على أهل زوجها ، وقيل فيها : إنها الزنا . فالفاحشة اسم يتناول مواقعة المحظور ، وليس يختص بالزنا دون غيره حتى إذا أطلق فيه اسم الفاحشة كان زنا ، وما كان من وطء عن عقد فاسد فإنه لا يسمى