الجصاص
15
أحكام القرآن
يضمن مؤنة اليتيم . وإذا قرئ بالتثقيل كان معناه أن الله تعالى كفله إياها وضمنه مؤنتها وأمره بالقيام بها . والقراءتان صحيحتان ، بأن يكون الله تعالى كفله إياها فتكفل بها . قوله تعالى : ( قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ) الهبة تمليك الشئ من غير ثمن ، ويقولون : قد تواهبوا الأمر بينهم . وسمى الله تعالى ذلك هبة على وجه المجاز ، لأنه لم تكن هناك هبة على الحقيقة ، إذ لم يكن تمليك شئ . وقد كان الولد حرا لا يقع فيه تمليك ، ولكنه لما أراد أن يخلص له الولد على ما أراد من عبادة الله تعالى ووراثته النبوة والعلم أطلق عليه لفظ الهبة ، كما سمى الله تعالى بذل النفس للجهاد في الله شراء بقوله : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [ التوبة : 111 ] وهو تعالى مالك الجميع من الأنفس والأموال قبل أن يجاهدوا وبعده ، وسمى ذلك شراء لما وعدهم عليه من الثواب الجزيل . وقد يقول القائل : هب لي جناية فلان ، ولا تمليك فيه ، وإنما أراد اسقاط حكمها . وقوله تعالى : ( وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ) يدل على أن غير الله تعالى يجوز أن يسمى بهذا الاسم ، لأن الله تعالى سمى يحيى سيدا والسيد هو الذي تجب طاعته ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للأنصار حين أقبل سعد بن معاذ للحكم بينه وبين بني قريظة : " قوموا إلى سيدكم " ، وقال صلى الله عليه وسلم للحسن : " إن ابني هذا سيد " وقال لبني سلمة : " من سيدكم يا بني سلمة ؟ " قالوا : الحر بن قيس على بخل فيه ، قال : " وأي داء أدوى من البخل ! ولكن سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح " . فهذا كله يدل على أن من تجب طاعته يجوز أن يسمى سيدا . وليس السيد هو المالك فحسب ، لأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال " سيد الدابة " و " سيد الثوب " كما يقال " سيد العبد " وقد روي أن وفد بني عامر قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أنت سيدنا وذو الطول علينا ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " السيد هو الله تكلموا بكلامكم ولا يستهوينكم الشيطان " ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أفضل السادة من بني آدم ، ولكنه رآهم متكلفين لهذا القول ، فأنكره عليهم ، كما قال : " إن أبغضكم إلي الثرثارون المتشدقون المتفيقون " ، فكره لهم تكلف الكلام على وجه التصنع . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تقولوا للمنافق سيدا فإنه إن يك سيدا فقد هلكتم " ، فنهى أن يسمى المنافق سيدا ، لأنه لا تجب طاعته . فإن قيل : قال الله تعالى : ( ربنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ) [ الأحزاب : 67 ] فسموهم سادات وهم ضلال . قيل له : لأنهم أنزلوهم منزلة من تجب طاعته وإن لم يكن مستحقا لها ، فكانوا عندهم وفي اعتقادهم ساداتهم ، كما قال تعالى :