الجصاص
123
أحكام القرآن
أجلك " . ففي هذا الحديث أيضا أن له بعض المال عند الموت لا جميعه . وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا محمد بن أحمد بن شيبة قال : حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال : حدثنا عثمان قال : سمعت طلحة بن عمرو قال : حدثنا عطاء عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله أعطاكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم " . قال أبو بكر : فهذه الأخبار الموجبة للاقتصار بالوصية على الثلث عندنا في حيز التواتر الموجب للعلم لتلقي الناس إياها بالقبول ، وهي مبينة لمراد الله تعالى في الوصية المذكورة في الكتاب أنها مقصورة على الثلث . وقوله تعالى : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) يدل على أن من ليس عليه دين لآدمي ولم يوص بشئ أن جميع ميراثه لورثته ، وأنه إن كان عليه حج أو زكاة لم يجب اخراجه إلا أن يوصي به ، وكذلك الكفارات والنذور . فإن قيل : إن الحج دين ، وكذلك كل ما يلزمه الله تعالى من القرب في المال لقول النبي صلى الله عليه وسلم للخثعمية حين سألته عن الحج عن أبيها : " أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان يجزئ ؟ " قالت : نعم ، قال : " فدين الله أحق بالقضاء " . قيل له : إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سماه دين الله تعالى ولم يسمه بهذا الاسم إلا مقيدا فلا يتناوله الإطلاق ، وقول الله تعالى : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) إنما اقتضى التبدئة بما يسمى به دينا على الإطلاق ، فلا ينطوي تحته ما لا يسمى به إلا مقيدا ، لأن في اللغة والشرع أسماء مطلقة وأسماء مقيدة ، فلا يتناول المطلق إلا ما يقع الاسم عليه على الإطلاق ، فإذا لم تتناول الآية ما كان من حق الله تعالى من الديون لما وصفنا اقتضى قوله تعالى : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) أنه إذا لم يوص ولم يكن عليه دين لآدمي أن يستحق الوارث جميع تركته . وحديث سعد يدل على ذلك أيضا ، لأنه قال : أتصدق بمالي ؟ وفي لفظ آخر : أوصي بمالي ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " الثلث والثلث كثير " ولم يستثن النبي صلى الله عليه وسلم الحج ولا الزكاة ونحوهما من حقوق الله تعالى ، ومنع الصدقة والوصية إلا بثلث المال ، فثبت بذلك أنه إذا أوصى بهذه الحقوق كانت من الثلث . مطلب : في أن الوصية بالزكاة والنذور وسائر الحقوق الواجبة لا تجوز إلا من الثلث ويدل عليه أيضا حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى جعل لكم ثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم " ، وحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حاكيا عن الله تعالى : " جعلت لك نصيبا في مالك حين أخذت بكظمك " ، يدل جميع ذلك على