الشيخ علي الكوراني العاملي
35
الولادات الثلاث ( ط 2 - 1440 ه - )
ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها ، وذلك أربع مائة سنة يسبت فيها الخلق ، وذلك بين النفختين . قال : وأنى له بالبعث والبدن قد بلى ، والأعضاء قد تفرقت ، فعضو ببلدة يأكلها سباعها ، وعضو بأخرى تمزقه هوامها ، وعضو قد صار تراباً بني به مع الطين حائط ؟ قال : إن الذي أنشأه من غير شئ ، وصوره على غير مثال كان سبق إليه ، قادر أن يعيده كما بدأه . قال : أوضح لي ذلك ! قال : إن الروح مقيمة في مكانها ، روح المحسن في ضياء وفسحة ، وروح المسئ في ضيق وظلمة . والبدن يصير تراباً كما منه خلق ، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها ، مما أكلته ومزقته ، كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ، ويعلم عدد الأشياء ووزنها . وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب ، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور ، فتربو الأرض ثم تمخضه مخض السقاء ، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء ، والزبد من اللبن إذا مخض ، فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه ، فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها ، وتلج الروح فيها ، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً ) . 4 . وفي علل الشرائع ( 1 / 107 ) : ( عن إسماعيل بن أبي زياد السكوني قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : إنما صار الإنسان يأكل ويشرب بالنار ويبصر ويعمل بالنور ويسمع ويشم بالريح ، ويجد طعم الطعام والشراب بالماء ، ويتحرك بالروح . ولولا أن النار في معدته ما هضمت الطعام والشراب في جوفه . ولولا الريح ما التهبت نار المعدة ولا خرج الثفل من بطنه . ولولا الروح ما تحرك ولا جاء ولا ذهب . ولولا برد الماء لأحرقته نار المعدة . ولولا النور ما بصر ولاعقل . فالطين صورته ، والعظم في جسده