الشيخ علي الكوراني العاملي
36
الولادات الثلاث ( ط 2 - 1440 ه - )
بمنزلة الشجرة في الأرض ، والدم في جسده بمنزلة الماء في الأرض ، ولا قوام للأرض إلا بالماء ، ولا قوام لجسد الإنسان إلا بالدم ، والمخ دسم الدم وزبده . فهكذا الإنسان خُلق من شأن الدنيا وشأن الآخرة ، فإذا جمع الله بينهما صارت حياته في الأرض ، لأنه نزل من شأن السماء إلى الدنيا ، فإذا فرق الله بينهما صارت تلك الفرقة الموت ، تَرُدُّ شأن الأخرى إلى السماء ، فالحياة في الأرض والموت في السماء ، وذلك أنه فرق بين الأرواح والجسد ، فردت الروح والنور إلى القدرة الأولى ، وترك الجسد لأنه من شأن الدنيا . وإنما فسد الجسد في الدنيا ، لأن الريح تنشف الماء فييبس ، فيبقى الطين فيصير رفاتاً ويبلى ، ويرجع كل إلى جوهره الأول . وتحركت الروح بالنفس ، والنفس حركتها من الريح ، فما كان من نفس المؤمن فهو نور مؤيد بالعقل ، وما كان من نفس الكافر فهو نار مؤيد بالنكراء له ، فهذه صورة نار ، وهذه صورة نور ، والموت رحمة من الله لعباده المؤمنين ، ونقمة على الكافرين . ولله عقوبتان : إحداهما أمر الروح ، والأخرى تسليط بعض الناس على بعض ، فما كان من قبل الروح فهو السقم والفقر ، وما كان من تسليط فهو النقمة وذلك قوله تعالى : وَكَذَلِكَ نُوَلِي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . من الذنوب ، فما كان من ذنب الروح من ذلك سقم وفقر ، وما كان تسليط فهو النقمة ، وكان ذلك للمؤمن عقوبة له في الدنيا ، وعذاب له فيها . وأما الكافر فنقمته عليه في الدنيا وسوء العذاب في الآخرة ، ولا يكون ذلك إلا بذنب ، والذنب من الشهوة ، وهي من المؤمن خطأ ونسيان ، وأن يكون مستكرهاً ، وما لا يطيق ، وما كان في الكافر فعمد وجحود واعتداء وحسد ، وذلك قول الله عز وجل : كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) .