الشيخ علي الكوراني العاملي
306
الولادات الثلاث ( ط 2 - 1440 ه - )
لكن الكلام في حدود حكم العقل بذلك ، وفي حساب الله عز وجل للذين لم يبحثوا عن الحق ، أو الذين بحثوا ولم يقتنعوا ؟ فهل يصح أن نقول إن الله تعالى يحاسب خمس مليارات إنسان في عصرنا مثلاً لأنهم لم يسلموا ؟ وبعضهم لم يسمع بالإسلام ونبيه ( ( عليهما السلام ) ) ، وأكثرهم لا يعرفون عنه شيئاً ، وبعضهم سمع به لكنه لا يخطر في باله أن يكون ديناً أصح من دينه الذي هو عليه . وبعضهم يريد البحث ، لكنه لا يجد كتاباً عن الإسلام بلغته ! يقول البعض : لقد صار العالم قرية ، وعمت فيه وسائل الاتصال والترجمة ، فلم يبق لأحد حجة . لكنه كلام غير دقيق ، فكم راغب في معرفة الإسلام ودعوة نبيه ( ( عليهما السلام ) ) ، لا تجد لهم كتاباً بلغتهم ، ولا شخصاً يستطيع أن يبلغ في مجتمعهم ! قال لي الأخ الفاضل السيد محسن التبريزي : قضيت شهراً في المركز الإسلامي في عاصمة السويد ، وكان في جوارنا كنيسة ، وكان رئيسَها قسيسٌ في الستينات من العمر ، خلوقٌ بشوشٌ ، يوصي جماعته بحسن جوارنا ، وقد أخبرني الإخوة في المركز عن حسن تعاملهم معهم وتحملهم منهم . ويوم خرجت مسافراً صادفت القسيس فبادرني بالسلام وسألني : أنت إمام هذا المركز ؟ قلت : نعم . قال : نحن جيرانكم ، وكان بودي أن أتعرف على الإسلام من عالم دين وليس مما كتبه الآخرون عنكم ، وقد نويت أن أجلس معك لتشرح لي . فشكرته ووعدته أن أزوره بعد رجوعي . هذا القسيس مثالٌ للذين لا يعرفون شيئاً عن الإسلام ، فكيف نقول إن عامة الناس وصل إليهم الإسلام ، وتمت عليهم الحجة ؟ ! إن الحساب الإلهي ليس بهذا التبسيط ، والمؤكد أن الله تعالى يحاسب الإنسان على ما تمت فيه حجية العقل القطعية الواضحة . ولذلك يجب علينا أن نوسع دائرة المُرْجَوْنَ لأمر الله في قوله تعالى : وَآخَرُونَ مَرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . ( التوبة : 106 ) .