الشيخ علي الكوراني العاملي

307

الولادات الثلاث ( ط 2 - 1440 ه - )

أما عن حجية العقل ، وقول الإمام ( عليه السلام ) : ( إن لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة وحجة باطنة ، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة وأما الباطنة فالعقول ) . فإن مدركات العقل القطعية في العقائد هي وجود الله تعالى وتوحيده ، فيصح الحساب عليه . أما في السلوك فليست كثيرة ، كعقوق الوالدين ، والقتل ، والتعدي على أموال الناس وحقوقهم ، فهذه وأمثالها تمت الحجة من العقل فيها ، أما بقية الأمور ، فإن الحجة لم تتم إلا على عدد قليل من غير المسلمين . القاعدة الثانية : حساب الإنسان على قدر عقله وقدراته قال الله تعالى : لايُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا . ( الطلاق : 7 ) وهي أوسع من قوله تعالى : لايُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ، لأن الوسع بمعنى الطاقة ، بينما آتاها ناظرة إلى كل شروط التكليف الأصلية من الطاقة الفعلية ، وغيرها . والنتيجة أن الحساب الإلهي إنما يكون بقدر ما أعطى الله للإنسان من إدراك عقلي ، وقدرة نفسية وبدنية ومادية . فصاحب العشرة بالمئة من العقل لايحاسب كصاحب الخمسين والتسعين . وكذلك القدرة المالية والبدنية . فالرجل البسيط المعرفة ليس كالعالم المطلع المتخصص . والذي عاش في زمن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) والمعصومين ( عليهم السلام ) وعايشهم ، لا يحاسب كمن ولد قبلهم أو بعدهم ، ولم يتشرف برؤيتهم وتوجيههم المباشر . والذي تيسرت له ظروف الهداية والمعرفة والتقوى ، ليس كمن فرضت عليه ظروف معاكسة . والذي ولد ونشأ بخيلاً ، لا يستطيع أن يعطي الشئ اليسير إلا بجهاد نفسه ! لا يحاسب كالذي نشأ كريماً سخياً ، يعطي ما في جيبه وما في يده ، وحتى لقمته . والذي خلق قاصراً في عقله أو فهمه أو بقية قدراته ، ليس كمن خلق تاماً ، وهما ليسا كالذي عمل عملاً أفقده هذه القدرات ، أو بعضها .