مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي
51
موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )
الفكرية ، ومن الواضح أنّه لا يمكن للإنسان العادي أن يتحمّل وحده مسؤولية البحث والجهد العلمي في جميع مسائل العلوم والصنائع ، فإنّه أمر خارج عن وسع الإنسان ، كما أنّه لا تتوفّر له فرصة في عمره القصير للتعمّق والدقّة في جميع المسائل الغامضة من العلوم والصنايع المختلفة . ومن هنا قامت المجتمعات الإنسانية على أن يتخصّص في كلّ علم وصنعة عدد خاص من الناس ، وأن يرجع كلّ فرد في غير مجال اختصاصه إلى العالمين وذوي الاختصاص فيما لا يعلمه من المسائل التي تحتاج إلى جهد علمي ، وأمّا في المسائل التي لا تحتاج إلى ذلك فلا حاجة إلى الرجوع إلى الغير . وبذلك يظهر أنّ مجرى هذه السيرة هو العلوم والصنايع التي تكون محتاجة إلى الجهد العلمي والدقّة والتعمّق . ولا شكّ في أنّ هذه السيرة جارية في علم الفقه أيضاً ؛ لأنّه من العلوم الدقيقة الغامضة ، ولا يمكن المعرفة به إلّالمن صرف أوقاته في تحصيله وأصبح من أهل الاختصاص ، فمن كان جاهلًا بهذا العلم وبكيفية استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها وأدلّتها التفصيلية لابدّ أن يرجع إلى من كان عالماً ذا اختصاص بذلك ، والعقلاء لا يفرّقون في ذلك بين هذا العلم وبين سائر العلوم . ثمّ إنّه من الواضح أنّ سيرة العقلاء لا تكون بنفسها حجّة ودليلًا على الحكم الشرعي ؛ لأنّ حجّيتها تتوقّف على إمضاء الشارع وعدم ردعه عنها . ولا يمكن إحراز ذلك إلّاإذا كانت تلك السيرة متحقّقة في عصر المعصومين عليهم السلام ، فلا تكون السيرة العقلائية الحادثة بعد عصرهم عليهم السلام حجّة ودليلًا على الحكم الشرعي . ومن هنا وجدت شبهة في الاستدلال بالسيرة من هذه الجهة ، وهي أنّ بناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم وذي الاختصاص في العلوم والصنايع المختلفة وإن لم يكن أمراً مستحدثاً ، ولكن بناء العقلاء على رجوع الجاهل بالأحكام الشرعية إلى المجتهد العالم العارف بها قد حدث بعد الغيبة الكبرى ، ولم يكن