مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي

20

موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )

بالجامع المذكور لا ينافي احتمال الوجوب والحرمة ، فلابدّ في رفعه من مؤمّن آخر من أصل أو دليل ، وإلّا كان هذا الاحتمال منجّزاً للتكليف . نعم ، أثر التعبّد بهذا الجامع إنّما هو نفي الثالث ولا يكفي هذا المقدار في مقام العمل . والثالث فيما إذا أفتى أحدهما بوجوب شيء وأفتى الآخر بوجوب شيء آخر مع العلم بأنّه لا يجب إلّاأحدهما ، كما إذا أفتى أحد المجتهدين بوجوب الجمعة والآخر بوجوب الظهر والتعبّد بالجامع فيه معقول إلّاأنّ لازمه الاحتياط بإتيان الصلاتين ؛ لأنّ التعبّد بالجامع بين الوجوبين في حكم العلم الإجمالي بوجوب أحدهما ، فلا تتمّ النتيجة المطلوبة . وإن أريد بالحجّية التخييرية حجّية كلّ من الفتويين مشروطة بعدم الالتزام بالأخرى فهو غير معقول مطلقاً ، وإن أفتى أحدهما بالوجوب والآخر بالإباحة ؛ لأنّ لازمها التعبّد بالمتناقضين فيما إذا لم يلتزم بشيء منهما . وإن أريد بها لزوم الالتزام بإحدى الفتويين لتكون حجّة تعيينية بعد الالتزام بها فهو أمر معقول ، إلّاأنّه لا دليل عليه إلّا دعوى الإجماع على أنّ العامي لا يجب عليه العمل بالاحتياط ، بل له أن يستند في أعماله إلى فتوى من يجوز تقليده من المجتهدين . ولكن هذا الإجماع - مع أنّه من الإجماع المنقول بالخبر الواحد ، وهو ممّا لا اعتبار به - غايته عدم وجوب الاحتياط على العامي ، وأنّه إذا استند في عمله إلى إحدى الفتويين كان هذا معذّراً له عن مخالفة الواقع إذا تحقّقت ، وليس معنى ذلك لزوم الالتزام بالفتوى قبل العمل لتكون الحجّية دائرة مداره « 1 » . وربما يظهر من كلام بعضهم من الإجماع على أنّ العامي ليس له العمل بالاحتياط بل يجب عليه أن يستند في أعماله إلى فتوى من يجوز تقليده من المجتهدين ، وهذا أيضاً لا يمكن الاستدلال به على التخيير في المقام ؛ وذلك لأنّه من الإجماع المنقول بالخبر الواحد ، وهو ممّا لا اعتبار به ، على أنّه لا يقتضي الالتزام بالتخيير ؛ لأنّ عدم العمل بالاحتياط كما يجتمع مع الحجّية التخييرية كذلك يجتمع مع الالتزام بسقوط الفتويين عن الحجّية واختيار العمل على إحداهما من جهة تنزّل العقل إلى الامتثال الاحتمالي عند عجز المكلّف عن الامتثال جزماً . ولعلّ الشارع قد اكتفى بالعمل على طبق إحداهما المحتملة المطابقة للواقع . والمتحصلّ : أنّ حجّية التخيير لا يمكن تتميمها بدليل ، فيجب على العامي الاحتياط للعلم بتنجّز الأحكام الواقعية في حقّه إن تمكّن منه ، وإن لم يتمكّن - إمّا لعدم إمكان الاحتياط في بعض الموارد أو للإجماع على عدم جوازه - فلا مناص من الحكم بوجوب العمل على طبق إحدى الفتويين مخيّراً ، وهو من التخيير في مقام الامتثال لتنزّل العقل إلى الامتثال الاحتمالي عند العجز عن الامتثال الجزمي « 2 » .

--> ( 1 ) انظر : فقه الشيعة ( الاجتهاد والتقليد ) 1 : 40 - 42 . ( 2 ) التنقيح في شرح العروة ( الاجتهاد والتقليد ) : 170 - 171 .