مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي

63

موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )

الوضعية « 1 » ؟ لأنّه يقال : إنّ مقدار التعزير لا يكون غير معيّن مطلقاً ، بل اتّفق الفقهاء - كما سيأتي - بأنّ التعزير لا يجوز إلّابما هو دون الحدّ ، على أنّ ذلك موجود أيضاً في القوانين الوضعية ، فقد يعاقب القانون المجرم - مثلًا - بالحبس من عشرة أيّام إلى شهرين ، وكذا في العقوبات المالية حيث يفوّض إلى الحاكم أمر تعيينها . مضافاً إلى أنّ إلزام القاضي بعقوبة معيّنة قد يجعل العقوبة غير عادلة في كثير من الأحوال ؛ لاختلاف الجرائم وأحوال المجرمين وظروفهم ، فما قد يُصلح مجرماً معيّناً بعقوبة معيّنة قد يكون مفسداً لمجرم آخر ، وما قد يردع شخصاً بعينه قد لا يردع غيره ، ولذا وضع الشارع عقوبات متعدّدة ومختلفة للجرائم بحيث تتدرّج العقوبة فيها بحسب نوع الجريمة من أحقر الأمور إلى أخطرها ، وترك الأمر في ذلك للقاضي يحدّد ما يتناسب منها مع نوع الجرم والمجرم وظروف الجريمة بما يراه كفيلًا بالردع والتأديب والإصلاح . وللقاضي أن يعاقب بعقوبة واحدة أو أكثر ، وله أن يخفّف العقوبة ويشدّدها إن كانت العقوبة ذات حدّين ، وله أن يوقف تنفيذ العقوبة إن رأى في ذلك ما يكفي في تأديب الجاني وردعه وإصلاحه . وليس ثمّة خطر في بسط يد القاضي لتعيين العقوبة المناسبة ؛ لأنّ التساهل في بعض الجرائم قد يصلح الجاني أكثر ممّا يفسده ، بخلاف الجرائم الخطيرة التي جعلت الشريعة المقدّسة لها حدوداً معينة - كالقصاص والدية - ولم تترك للقاضي فيها أيّ خيار سوى التنفيذ . هذا ، مضافاً إلى أنّ الهدف من التعزير هو ردع الجاني وتأديبه فيكفي منه ما تؤمن عاقبته غالباً ، وحينئذٍ فينبغي أن لا تكون العقوبة مهلكة بل يكفي منها ما يحقّق الغرض ، ولذا لا يجوز في التعزير القتل والقطع ، وإن خالف في ذلك بعض فقهاء الجمهور فأجازوا عقوبة القتل تعزيراً إذا اقتضت المصلحة العامة ، أو توقّف زوال فساد المجرم عليه كقتل الجاسوس والداعي إلى البدعة « 2 » . الثاني - أقلّ التعزير وأكثره : تقدّم أنّه لا تقدير لأقلّ التعزير ، وأمّا أكثره فقد اتّفق الفقهاء على أنّ التعزير لا يجوز إلّابما دون الحدّ ، كما صرّحت به عدّة روايات . إنّما البحث والإشكال في المراد من الحدّ المذكور ، فهل هو الحدّ الأعلى أو الأدنى لحدّ الحرّ ، أو هو أدنى الحدّ في العبد ، أو أدنى الحدّ في كلّ من العبد والحرّ كلٌّ بحسبه ؟ أو دون الحدّ في كلّ ذنب بحسبه ، فهاهنا وجوه وأقوال ، أهمّها ما يلي : القول الأوّل : إنّ التعزير من كلّ صنف من موجبات التعزير أقل من حدّ ذلك الصنف ، ففيما ناسب الزنا كالتفخيذ واللمس والمضاجعة للأجنبية يلزم التعزير بما لا يبلغ حدّ الزنا ، وهو مائة .

--> ( 1 ) انظر : التشريع الجنائي الإسلامي ( عودة ) 1 : 687 . ( 2 ) انظر : التشريع الجنائي الإسلامي ( عودة ) 1 : 688 .