مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي

14

موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )

ويختلف هذا بحسب اختلاف الموارد والقرائن ، فإن تعلّق الحلّ بالأعيان الخارجية فحينئذٍ لا يصحّ الكلام إلّا بالتقدير ؛ لدلالة الاقتضاء وصون الكلام عن اللغوية كما في قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ « 1 » ، فمن الواضح أنّه لا معنى لحلّية المطاعم والمآكل والمناكح بنفسها ، بل المراد من حلّيتها إنّما هو حلّية ما تعلّق بها من الأفعال المناسبة لها من الأكل والنكاح . وقد يتعلّق الحلّ بالأفعال الخارجية ، فيصحّ الكلام حينئذٍ بلا حاجة إلى تقدير كما في قوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ « 2 » . وكذا الحال لو تعلّق الحلّ بالمعاملات - مثل : البيع الذي هو من الاعتبارات النفسانية المبرزة بمبرز خارجي - فإنّها بنفسها قابلة للحلّية وضعاً وتكليفاً من دون احتياج إلى التقدير . وعليه فتدلّ الآية الكريمة دلالة مطابقية على جواز البيع تكليفاً وعلى نفوذه وضعاً « 3 » . 2 - قوله سبحانه وتعالى : لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ « 4 » . ويمكن تقريب الاستدلال بها بأنّ المقصود من الأكل في الآية الكريمة ليس هو الأكل بمعناه الحقيقي ، وإلّا لاختصّ الخطاب بالمطعومات مع وضوح عدم نظر الآية إلى ذلك ، فلابدّ أن يكون الأكل فيها كناية عمّا يناسب باب الأموال - كما هو كذلك في الاستعمالات العرفية - وهو أحد أمرين : إمّا مطلق التصرّف في المال ، وإمّا التملّك وأخذ المال ، فعلى الأوّل تدلّ الآية الشريفة بعمومها على حلّية التصرّفات ، أي يجوز تكليفاً التصرّف في أموال الناس بالتجارة عن تراض ، وجواز ذلك يلازم عرفاً صحّة التجارة عن تراض التي هي البيع . وعلى الثاني تدلّ بالمطابقة على حصول الملك بالبيع ؛ وذلك لدلالتها على جواز تملّك أموال الناس بالتجارة عن تراض ، أي البيع . والمراد بالجواز حينئذٍ الصحّة لإسناده إلى الفعل الاعتباري ، وجعل الأكل كناية عن التملّك شائع في العرف ، فيقال : فلان أكل أموال فلان ، أي تملّكها غصباً وظلماً « 5 » . وقد ذكر السيّد بحر العلوم أنّ دخول باء السببية على كلمة الباطل ومقابلتها في

--> ( 1 ) المائدة : 5 . ( 2 ) البقرة : 187 . ( 3 ) مصباح الفقاهة 2 : 94 - 95 . ( 4 ) النساء : 29 . ( 5 ) انظر : حاشية المكاسب ( الإيرواني ) 2 : 44 . مصباح الفقاهة 2 : 102 - 104 .