مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي
251
موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )
وأمّا إذا كان الانصراف غير ناشئ من اللفظ ، بل من أسباب أخرى - كغلبة وجود المنصرف إليه أو تعارف الممارسة الخارجية له - فيكون لذلك مألوفاً قريباً إلى الذهن من دون أن يكون للفظ تأثير في هذا الانصراف ، كما في انصراف الماء في العراق - مثلًا - إلى ماء دجلة أو الفرات ، فإنّه لا أثر لهذا الانصراف في المنع من انعقاد الإطلاق ؛ لأنّ هذا الانصراف قد يجتمع مع القطع بعدم إرادة المقيّد بخصوصه من اللفظ ، فالانصراف في هذه الحالة دوريّ غير مستقرّ يزول بمجرّد التأمل ومراجعة الذهن ، في مقابل الانصراف المستقرّ الذي لا يزول بعد التأمل والمراجعة . لكن المشكلة في صعوبة التمييز بين هذين الانصرافين ، فقد يحتاج أحياناً إلى ذوقٍ عال وسليقة مستقيمة ؛ إذ قلّما تخلو آية مباركة أو حديث شريف في مسألة فقهية عن دعوى الانصراف فيها ، فلابدّ من التضلّع باللغة وفقهها وآدابها ، وهو باب يكثر الابتلاء به ، وله تأثير كبير في استنباط الأحكام من أدلّتها ، ففي قوله تعالى : « وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ » « 1 » - مثلًا - قد يدّعى انصراف المسح فيها إلى باطن اليد لا بظهرها ، ولكن قد يشكّ في استناد هذا الانصراف إلى اللفظ ؛ لاحتمال استناده إلى تعارف المسح بباطن الكفّ ؛ لسهولته وموافقته لطبع الإنسان في المسح ، وليس له علاقة باللفظ ، ولذا أفتى جملة من الفقهاء بجواز المسح بظهر الكفّ أيضاً ؛ تمسّكاً بإطلاق الآية ، وإن احتاط آخرون بعدم ترك المسح بباطنها فقط ؛ لكونه هو القدر المتيقّن من المسح « 2 » ، مضافاً إلى احتمال انصراف المسح إليه « 3 » . 2 - أقسام الانصراف : ذكر الاصوليّون أقساماً متعدّدة للانصراف ، بعضها بملاك نوعه وقوّته واستقراره ، وبعضها الآخر بملاك مناشئه المسبّبة له ، نحاول فيما يلي التعرّض لها : أ - بحسب خطوره واستقراره : ينقسم الانصراف بحسب قوّته وشدّته إلى أقسام :
--> ( 1 ) المائدة : 6 . ( 2 ) انظر : العروة الوثقى 1 : 365 ، مع تعليقاتها . ( 3 ) أصول الفقه 1 : 172 - 173 .