السيد محمود الهاشمي الشاهرودي

335

موسوعة الفقه الإسلامي المقارن

وأما النصوص الدالّة على استشارة النبي ( ص ) والأئمة ( عليهم‌السلام ) أصحابهم ، فمنها : قوله تعالى : « فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ » « 1 » . وقد ذكر المفسّرون حكمة استشارته ( ص ) أصحابه مع إمكانه استغنائه عن ذلك بالوحي ، وفي الآية إشارة إلى جهة مهمّة منها ، وهي : أن استشارته لهم كانت من لينه وعدم غلظته ؛ ولو كان فظّاً غليظاً لا نفضّوا من حوله وتركوه ، ومع ذلك كله جعل ( تعالى ) الاختيار النهائي له بقوله : « فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ » . ومنها : ما رواه معمر بن خلاد ، قال : هلك مولى لأبي الحسن الرضا ( ع ) يقال له ( سعد ) فقال : « أشِر عليَّ برجل له فضل وأمانة ، فقلت : أنا أشير عليك ؟ ! فقال شبه المغضب : إنّ رسول الله ( ص ) كان يستشير أصحابه ثمّ يعزم على ما يريد » « 2 » . ويرى فقهاء المذاهب أنّه عند اختلاف وجوه النظر وتعارض الأدلّة في الحكم ، يندب للقاضي أن يشاور الفقهاء لقوله تعالى : « وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ » « 3 » . وذكروا في سياق عدّهم لخصائص النبي ( ص ) ، أن من الخصائص الواجبة في حقّه المشاورة في الأمر مع أهله وأصحابه لقوله تعالى : « وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ » ووجه اختصاصه ( ص ) بوجوب المشاورة - مع كونها واجبة على غيره من أُولي الأمر - ، أنّه وجب عليه ذلك مع كمال علمه ومعرفته . والحكمة في مشورته ( ص ) لأصحابه : أن يستنّ بها الحكام بعده ، لا ليستفيد منهم علماً أو حكماً ، فقد كان النبي ( ص ) غنياً عن مشورتهم بالوحي ، كما أن في استشارتهم تطييباً لقلوبهم ، ورفعاً لأقدارهم ، وتألّفاً لهم على دينهم . واتّفقوا على أن محلّ مشاورته ( ص ) لا تكون فيما ورد فيه النصّ ؛ إذ التشاور نوع من الاجتهاد ولا اجتهاد في مورد النصّ . أما ما عدا ذلك : فإنّ محلّ مشاورته ( ص ) إنّما هو في أخذ الرأي في الحروب وغيرها من المهمّات مما ليس فيه حكم بين الناس ،

--> ( 1 ) آل عمران : 159 . ( 2 ) وسائل الشيعة 12 : 44 ، ب 24 من أحكام العشرة ، ح 1 . ( 3 ) انظر : الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة 33 : 331 - 332 .