السيد محمود الهاشمي الشاهرودي

44

موسوعة الفقه الإسلامي المقارن

2 - ولاية القضاء ، فكان تقيّد القاضي بمذهب يرتضيه الخليفة سبباً في اكتفاء أكثر الناس به وإقبالهم عليه . 3 - تدوين المذاهب . وهذه العوامل وإن سببت ركود الحركة الاجتهادية ولكنها عوامل جانبية على ما يبدو ، إنما المهم في شل الحركة العلمية الفقهيّة هو تأثير السياسة التي اتخذها الخليفة العباسي القادر بالله للحدّ من نشاط الحركة الاجتهادية ، فهو تصدى للخلافة ما يناهز الأربعين عاماً ، وساد في هذه الفترة فكرة التقشف والتنسّك وذم الفكر والاجتهاد في الدين ، وهو في ذلك تبع المنهج الذي اختطه قاطبة الخلفاء العباسيين الذين أعقبوا المتوكل حيث قادوا حملة شرسة ضد الفكر وأهله ، وروّجوا لما ورثه العلماء من السلف . حصر المذاهب الفقهية الأربعة : لقد أرّخ المقريزي في كتابه « الخطط » لحصر المذاهب وأنّه تم بدافع سياسي حيث قال : « استمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665 ه - حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة ، وعودي من تمذهب بغيرها وأُنكر عليه ، ولم يول قاضٍ ، ولا قبلت شهادة أحد ، ولا قدّم للخطابة والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلّداً لأحد هذه المذاهب ( الحنفي ، المالكي ، الشافعي ، الحنبلي ) وأفتى فقهاء هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها ، والعمل على هذا إلى اليوم » « 1 » . وأما المرحلة التي تلت ذلك فقد سمّيت بعصر الانحطاط الفقهي ( أواسط القرن السابع إلى أواخر القرن الثالث عشر ) فكانت نهاية القرن السادس والقرنان اللّذان أعقباه عصر البؤس والدمار وبالتالي شرّ القرون وأسوأها ، فقد حلّت بالمسلمين فجائع ونكبات لم يُسجِّل التاريخ نظيرها لأُمّة من الأُمم ، فبينما كانت الحروب الصليبية لا تزال طاحنة ومشتعلة في أواخر القرن السادس ، يواجه فيها المسلمون الانتصارات تارة والاخفاقات أُخرى ، إذ بدأت الحملات الشرسة من جانب الشرق على يد التتار والمغول .

--> ( 1 ) الخطط ( للمقريزي ) 2 : 344 .