السيد محمود الهاشمي الشاهرودي

45

موسوعة الفقه الإسلامي المقارن

ولمّا استقرّ الحكم المغولي في الأمصار الإسلامية أخذ يحرّك دفّة العلم تجاه العلوم الطبيعية والرياضية وأخيراً العقلية ، فصار الغور في هذه الموضوعات الشغل الشاغل لأكثر العلماء في تلك الفترة ، وقلّ الاهتمام والعناية بالفقه . فأخذ الفقه بالضمور والخمود والاكتفاء بنقل ما في الكتب الفقهية للمذاهب دون مناقشة ، ففقد الفقه على أثرها مقامه الشامخ في الأوساط العلمية . وكانت وظيفة الفقيه في تلك الأعصار مجرّد تدريس المتون الفقهية والتحشية والتعليق عليها دون أن يخرج عن إطار المذهب الذي ينتحله . واستمر الوضع على هذا المنوال إلى أواخر القرن الثالث عشر . وفي هذا الدور اكتفى الفقهاء بكتابة المتون والشروح والتعليق عليها . وكان الأَمر على هذا المنوال حتى تألّق نجم الحضارة الغربية ، فانتقل التشريع الوضعي إلى الأَوساط الشرقية ، فصار هناك تلاقح بين الحضارتين ، فظهر للفقه نشاط في الجامعات والمعاهد الدينية . فإذا كانت سيادة روح التقليد على العلماء وعدم الخروج عن نصوص الأَئمّة الأَربعة من مميزات الدور السابق ، فيكون الحال في هذا الدور نفس ما سبق ، لكن بوضع أسوأ ، فقد تنحّى الفقه عن مكانته العالية وأُصيبت الحركة الفقهية بالشلل الكامل ، وقلّما نجد في هذا الدور تصنيفاً أو كتاباً للفقه إلا الشيء اليسير من الذين كسروا طوق التقليد ، ومع ذلك كلّه فالطابع العام المخيِّم على الفقه هو روح التقليد والجمود والهرم . يقول الأُستاذ مصطفى الزرقاء : ففي هذا العصر ساد الفكر التقليدي المغلق ، وانصرفت الأَفكار عن تلمس العلل والمقاصد الشرعية في فقه الاحكام إلى الحفظ الجاف ، والاكتفاء بتقبل كلّ ما في الكتب المذهبية دون مناقشة . إلى أن قال : وفي أواخر هذا الدور حلَّ الفكر العامي محل الفكر العلمي لدى كثير من متأخري رجال المذاهب الفقهية . وقد شاعت كنتيجة لذلك طريقة « المتون » في التآليف الفقهية وأصبحت هي الطريقة السائدة العامة ، وحلّت كتب المتأخرين فيها محل كتب المتقدمين القيمة في الدراسة الفقهية . وطريقة المتون هذه يعمد فيها المتأخرون إلى وضع مختصرات يجمعون فيها أبواب العلم