محمد جواد المحمودي
540
ترتيب الأمالي
ولقد بلغني أنّ رجلا من قطّان المدائن تبع بعد الحنيفية علوجه « 1 » ، ولبس من نالة دهقانه منسوجه ، وتضمّخ بمسك هذه النوافج « 2 » صباحه ، وتبخّر بعود الهند رواحه ، وحوله ريحان حديقة يشمّ نفاحه ، وقد مدّ له مفروشات الرّوم على سرره ، تعسا له بعد ما ناهز السبعين من عمره ، وحوله شيخ يدبّ على أرضه من هرمه ، وذو يتمة تضوّر من ضرّه ومن قرمه ، فما واساهم بفاضلات من علقمة ، لئن أمكنني اللّه منه لأخضمنّه خضم البرّ ، ولأقيمنّ عليه حدّ المرتدّ ، ولأضربنّه الثمانين بعد حدّ ، ولأسدّنّ من جهله كلّ مسد ، تعسا له أفلا شعر ، أفلا صوف ، أفلا وبر ، أفلا رغيف قفار « 3 » الليل إفطار مقدّم « 4 » ، أفلا عبرة على خدّ في ظلمة ليال تنحدر ؟ ولو كان مؤمنا لاتّسقت له الحجّة إذا ضيّع ما لا يملك . واللّه لقد رأيت عقيلا أخي وقد أملق « 5 » حتّى استماحني « 6 » من برّكم صاعه ، وعاودني في عشر وسق من شعيركم يطعمه جياعه ، ويكاد يلوي ثالث أيّامه خامصا ما استطاعه ، ورأيت أطفاله شعث « 7 » الألوان من ضرّهم كأنّما اشمأزّت
--> - أي يدخل بعضه في بعض . وقال المجلسي في البحار : 40 : 351 : المراد بالتناقض هنا عدم التناسب ، ولقد أبدع من حمله على ظاهره وأوّله بأنّ المعنى لا يزعم زاعم أنّه مناقض لكلام آخر له مذكور في الكافي [ 1 : 410 - 411 ] موافقا لقوله تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الآية : [ 32 سورة الأعراف ] ، كما توهّمه عاصم بن زياد ، ومعنى عارض أنّه لا يلزم طريقة واحدة ، بل هو بحسب اقتضاء المقام ، فإن كان في مقام بيان حال الأمراء حسن فيه ذمّ الزينة وأكل الطيّبات ، وإن كان في مقام بيان حال الرعيّة قبح فيه الذمّ المذكور إلّا إذا لم يكن مؤمنا وافيا بحقوق ما له ، كما سيشير إليه . ( 1 ) قال في البحار : المراد بعلوجه آباؤه الكفرة ، شبّههم في كفرهم بالعلوج . ( 2 ) النوافج : جمع نافجة معرّب نافة ، وهي وعاء المسك . ( 3 ) القفار - بالفتح - : ما لا إدام معه من الخبز . ( 4 ) في نسخة : « لليل إفطار معدم » . ( 5 ) أملق : افتقر أشدّ الفقر . ( 6 ) استماحني : استعطاني . ( 7 ) شعث - جمع أشعث - : وهو من الشعر المتلبّد بالوسخ .