محمد جواد المحمودي
369
ترتيب الأمالي
أمّا عليّ بن أبي طالب ، فإنّه أخي وشقيقي ، وصاحب الأمر بعدي وصاحب لوائي في الدنيا والآخرة ، وصاحب حوضي وشفاعتي ، وهو مولى كلّ مسلم ، وإمام كلّ مؤمن ، وقائد كلّ تقيّ ، وهو وصيّي وخليفتي على أهلي وامّتي في حياتي وبعد مماتي ، محبّه محبّي ، ومبغضه مبغضي ، وبولايته صارت امّتي مرحومة ، وبعداوته صارت المخالفة له منها ملعونة ، وإنّي بكيت حين أقبل لأنّي ذكرت غدر الامّة به بعدي حتّى إنّه ليزال عن مقعدي ، وقد جعله اللّه له بعدي ، ثمّ لا يزال الأمر به حتّى يضرب على قرنه ضربة تخضب منها لحيته في أفضل الشهور شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن ، هدى للنّاس وبيّنات من الهدى والفرقان . وأمّا ابنتي فاطمة ، فإنّها سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين ، وهي بضعة منّي ، وهي نور عيني ، وهي ثمرة فؤادي ، وهي روحي الّتي بين جنبيّ ، وهي الحوراء الإنسيّة ، متى قامت في محرابها بين يدي ربّها جلّ جلاله زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض ، ويقول اللّه عزّ وجلّ لملائكته : « يا ملائكتي ، انظروا إلى أمتي فاطمة سيّدة إمائي ، قائمة بين يديّ ترتعد فرائصها من خيفتي ، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي ، أشهدكم أنّي قد أمنت شيعتها من النّار » . وإنّي لمّا رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي ، كأنّي بها وقد دخل الذلّ بيتها ، وانتهكت حرمتها ، وغصبت حقّها ، ومنعت إرثها ، وكسر جنبها « 1 » ، وأسقطت جنينها ، وهي تنادي : « يا محمّداه » ، فلا تجاب ، وتستغيث فلا تغاث ، فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية ، تتذكّر انقطاع الوحي عن بيتها مرّة ، وتتذكّر فراقي أخرى ، وتستوحش إذا جنّها الليل لفقد صوتي الّذي كانت تستمع إليه إذا تهجّدت بالقرآن ، ثمّ ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيّام أبيها عزيزة ، فعند ذلك يؤنسها اللّه تعالى ذكره بالملائكة ، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران ، فتقول : يا فاطمة ، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ، يا فاطمة اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ « 2 » .
--> ( 1 ) في نسخة : « جبينها » ، وفي أخرى : « جنبتها » . ( 2 ) سورة آل عمران : 3 : 42 - 43 .