محمد جواد المحمودي
306
ترتيب الأمالي
من حفرتي وسلبتني أكفاني وتركتني أقوم جنبة إلى حسابي ، فويل لشبابك من النّار » ، فما أظنّ أنّي أشمّ ريح الجنّة أبدا ، فما ترى لي يا رسول اللّه ؟ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « تنحّ عنّي يا فاسق ، إنّي أخاف أن احترق بنارك ، فما أقربك من النّار » . ثمّ لم يزل صلّى اللّه عليه وآله يقول ويشير إليه حتّى أمعن من بين يديه . فذهب فأتى المدينة فتزوّد منها ، ثمّ أتى بعض جبالها فتعبّد فيها ولبس مسحا وغلّ يديه جميعا إلى عنقه ونادى : « يا ربّ هذا عبدك بهلول بين يديك مغلول ، يا ربّ أنت الّذي تعرفني وزلّ منّي ما تعلم سيّدي ، يا ربّ إنّي أصبحت من النادمين وأتيت نبيّك تائبا فطردني وزادني خوفا ، فأسألك باسمك وجلالك وعظمة سلطانك أن لا تخيب رجائي سيّدي ، ولا تبطل دعائي ، ولا تقنطني من رحمتك » . فلم يزل يقول ذلك أربعين يوما ، تبكي له السباع والوحوش . فلمّا تمّت له أربعون يوما وليلة رفع يديه إلى السماء وقال : « اللهمّ ما فعلت في حاجتي إن كنت استجبت دعائي وغفرت خطيئتي فأوح إلى نبيّك ، وإن لم تستجب لي دعائي ولم تغفر لي خطيئتي وأردت عقوبتي فعجّل بنار تحرقني ، أو عقوبة في الدنيا تهلكني ، وخلّصني من فضيحة يوم القيامة » . فأنزل اللّه تبارك وتعالى على نبيّه صلّى اللّه عليه وآله : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً يعني الزنا أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يعني بارتكاب ذنب أعظم من الزنا ونبش القبور وأخذ الأكفان ذكروا اللَّهَ * واستغفروا لِذُنُوبِهِمْ يقول : خافوا اللّه فعجّلوا التوبة ، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ، يقول عزّ وجلّ : أتاك عبدي يا محمّد تائبا فطردته فأين يذهب وإلى من يقصد ؟ ومن يسأل أن يغفر له ذنبا غيري ؟ ثمّ قال عزّ وجلّ : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، يقول : لم يقيموا على الزنا ونبش القبور وأخذ الأكفان ، أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ « 1 » . فلمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله خرج وهو يتلوها ويتبسّم فقال
--> ( 1 ) سورة آل عمران : 3 : 135 .