سبط ابن الجوزي
14
تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة ( ط المجمع العالمي )
وهو نازل على قيساريّة ، فظلّ معه حتّى فتحها عنوة ، ثمّ سار في صحبته إلى الثّغر ففتحه وهدمه ، وعاد إلى دمشق بعد أن أخرب بلاد الفرنج . ولم يكن هدم القدس ولا إعادة المكوس الخطأ الوحيد الذي ارتكبه المعظّم ، فقد قام بأمر آخر ، إذ أهان أحد القضاة إهانة بالغة حتّى مات كمدا ، ووجّه إليه أبو المظفّر اللّوم الشّديد ، فقال المعظّم : لقد ندمت ، فقال أبو المظفّر : بعد أن سارت بفعلك الرّكبان وتحدث النّاس في البلدان ؟ ولهذا يمكن أن تعدّ الحجّة الثّالثة التي قام بها السّبط سنة 616 ه فرارا من أوضاع لا يستطيع لها تبديلا ، ويحسّ أنّ إنكاره بالحزن أو باللّوم لم يعد يجدي في تحسين الحال . وهل حجّ عن طريق بغداد كما فعل في المرّات السّابقة ؟ إنّه لا يذكر شيئا عن ذلك ، ولا عن طريق عودته التي أرجعته إلى دمشق ، مأواه الأخير حيثما اتّجه ، وكان حينئذ قد أصبح يسكن في تربة بدر الدّين حسن على نهر ثورا عند جسر كحيل قريبا من المدرسة الشّبليّة ، وقد جاوره هنالك الأمير مبارز الدّين سنقر الحلبي الصّلاحي فيها سنة 618 ه ، وكان مبارز الدّين وأبو المظفّر يتزاوران ، ومات مبارز الدّين كمدا في سنة 620 ه . وشخص آخر كان من أعزّ أصدقاء السّبط أساء إليه المعظّم إساءة بالغة ، هو المبارز المعتمد إبراهيم بن موسى ، وكان أبو المظفّر يزوره كلّ ليلة جمعة ، فتوفّي في سنة 623 ه بعد أن قضى في السّجن خمس سنوات . على أنّ كلّ هذا لا يعني أنّ العلاقات بين أبي المظفّر والملك المعظّم قد تردّت ، بل الواقع أنّ حسنات المعظّم كانت ترجّح لديه بسيّئاته ، فقد كان المعظّم مهما يرتكب من أخطاء ، مجاهدا يدافع عن حوزة الإسلام والمسلمين ، وكانت النّكبة التي حلّت بدمياط تقلقه كثيرا ؛ ولهذا كان حريصا على أن يساعد الكامل بمصر ،