الشيخ محمد مهدي الآصفي

36

ولاية الأمر ، دراسة فقهية مقارنة

وكأنّ الجميع إن لم يعتصموا بمجموعهم فلا يتحقّق الاعتصام أصلًا ، ثم يعقّب ذلك بكلمة : وَلا تَفَرَّقُوا . فعامل التفرّق - إذاً - ينفي الاعتصام الجمعي من الأساس ، ويؤدي إلى إفشال وإحباط القوة والسيادة في المجتمع الإسلامي وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ « 1 » . وإذا انثلم الاعتصام بالتفرّق والاختلاف ، فإنّ نتيجة الاختلاف والتفرّق تنال الجميع ، حتى أولئك الذين بقوا متمسّكين بحبل اللَّه ، ويكون مثل ذلك مثل قوله تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ، فإنّ نتيجة الاختلاف والتفرّق لا تقتصر على أولئك الذين تفرّقوا فقط على محاور الهوى والطاغوت ، وإنّما يشمل حتى أولئك الذين لم يمارسوا ظلماً وعدواناً ، وثبتوا على محور الهدى . هذا في الشأن الدنيوي لأمثال هذه الذنوب ، وأمّا العقوبة الآخروية فهي تجري بميزان دقيق ، ولا تصيب إلّاالذين ظلموا خاصةً ، ويكون مثل ذلك مثل القائد الذي يدعو جيشه أن يتسلّحوا ، وأن يرصدوا العدو جميعاً لينتصروا عليه ، فإذا تخلّف جملة منهم عن أداء واجبهم من الرصد والمرابطة والتسلّح ، فإنّ الهزيمة لا تصيب الذين تخلّفوا منهم عن أداء واجبهم فقط ، وإنّما تصيب الجميع . إذن ، التكليف بالاعتصام الجمعي بحبل اللَّه لا يمكن تنفيذه إلّامن خلال الهيئة الاجتماعية فقط . ومن الواضح أنّ تنفيذ هذا التكليف من خلال الهيئة الاجتماعية لا يتم إلّابوجود سلطة مركزية ذات نفوذ وقوة ، تتمكّن من إلزام الناس جميعاً بالتمسّك بحبل اللَّه ، ومراقبة حركة الناس ، وعقوبة المتخلّفين . . . ومن غير ذلك يستحيل تطبيق وتنفيذ هذا الحكم الشرعي .

--> ( 1 ) . الأنفال : 46 .