علي بن مهدي الطبري المامطيري
80
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا ، ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلّهم على الطريق إلى اليمن ، فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل اللّه بهم من نقمته : ] « 1 » أين المفرّ والإله طالب * والأشرم المغلوب غير غالب فخرجوا يتساقطون بكلّ طريق ، ويهلكون في كلّ سهل ، وأصيب أبرهة في جسده ، وخرجوا به معهم ، تسقط أنامله أنملة أنملة ، وكلّما سقطت أنملة أتبعتها يده « 2 » حتّى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطير ، فما مات حتّى انصدع [ صدره ] « 3 » من قلبه .
--> ( 1 ) . نهاية الاستدراك من تاريخ الطبري ؛ لترميم النقص الذي حصل في النسخة . ( 2 ) . في جامع البيان للطبري 30 : 391 : ويهلكون على كلّ منهل . . . فسقطت أنامله أنملة ، كلّما سقطت أنملة أتبعتها مدة تمثّ قيحا ودما حتّى قدموا . . . ونحوه في سيرة ابن هشام . ( 3 ) . محلّه بياض في النسخة ، وقصّة الفيل وأبرهة ذكرها أيضا البلاذري مختصرة في الحديث : 128 و 129 من أنساب الأشراف 1 : 67 ، ط 1 ، وهذا لفظه : قالوا : وكان أبرهة الأشرم أبو يكسوم قتل حبشيا كان غلب على اليمن ، وصار مكانه ، فرأى العرب باليمن يتأهّبون في وقت الحجّ ، فسأل عن أمرهم ، فقيل : إنّهم يريدون بلدا يقال له : مكّة ، وبه بيت اللّه يتقرّبون إليه بزيارته . فبنى بيتا بصنعاء كثير الذهب والجوهر ، وحمل من قبله من العرب على أن يحجّوه ، ويصنعوا عنده كصنيعهم عند الكعبة . فاحتال بعض العرب لسدنته ، حتّى أسكرهم ، ثمّ أتى بجيف ومحائض فألقاها فيها ، ولطخ قبلته - وكانت على المشرق - بعذرة . فغضب أبرهة أشدّ غضب ، وقال : والمسيح ! لأغزونّ بيت العرب الذي يحجّون إليه . فبعث إلى النجاشي : إنّي عبدك ، وكلّ ما حويته من هذا البلد فهو لك ، ومن مملكتك ، وأهدى إليه هدايا ، وسأله أن يبعث إليه بفيل له عظيم كان يلقى به عدوّه إذا احتشد ، فبعث إليه بذلك الفيل وبجيش . ثمّ إنّ الأشرم نهض نحو البيت ، والفيل في مقدّمته ، ودليله النفيل بن حبيب الخثعمي ، فلمّا انتهى إلى قرب الحرم ، برك الفيل بالمغمّس ، فلم يحرك ، ونخس بالرماح ، فلم ينهض ، ثمّ بعث اللّه على الجيش طيرا مع كلّ طير ثلاثة أحجار ، فألقتها عليهم ، فلم ينج منهم شغر [ أي أحد ] . وقد كان الحبشي لمّا قرب [ من ] مكّة ، بثّ قوما ممّن معه للغارة ، منهم رجل يقال له : الأسود بن مقصود ، فأطردوا إبلا لعبد المطّلب ، فأتى عبد المطّلب الحبشي وهو في قبّة له بالمغمّس . وكان قائد الفيل صديقا له ، فأدخله إليه ، وأخبره بشرفه ، وكان عبد المطّلب رجلا جميلا طويلا ، له