علي بن مهدي الطبري المامطيري
61
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
يا رجل ؛ إذ نوهّت باسمي ، وما معي شيء أفديك به ، وليس لك مترك ، [ ولا عن رفض إجابتك مسلك ] « 1 » ثمّ ساوم العنزيين ، واشتراه منهم ، وأدخل نفسه في القيد مكانه حتّى أتاه قومه بالفداء « 2 » . فقال لهم العدنانيون : لعمري ، لقد جاءت نفس حاتم بمشقّة وبعد أن فدى نفسه بها ، لكن لا يقاس ذلك بجود من جاد بنفسه ، ولا بجود من جاد بدم ابنه وقرّة عينه ، وذلك أنّ كعب بن مامة الإيادي الذي هو من عدنان ، صحب رجلا من نمر في شهر شديد الحر ، فضلّا الطريق ، وتناصفا ماءهما ، وجعل النمري يشرب نصيبه ، فإذا أصاب كعبا ، قال : اسق أخاك النمري ! فيؤثره على نفسه ، ويسقيه حتّى نفد الماء ، وأضرّ به العطش ، فاستحثّ راحلته ، وغلبه العطش فمات ، فقال رجل من إياد في ذلك « 3 » : أوفى على الماء كعب ثمّ قيل له * رد كعب إنّك ورّاد فما وردا وأين يقع جود من جاد بالمال من جود من جاد بالنفس ، ولقد أحسن القائل حيث يقول : يجود بالنفس إذ ضنّ الجواد بها * والجود بالنفس أقصى غاية الجود وأمّا الذي جاد بدم ابنه وقرّة عينه فقيس بن عاصم ، وذلك أنّه أتي بأسير ، وسرير عليه ابن له مقتول ، فما قطع حديثه ، ولا حلّ حبوته « 4 » ، وأمر به أن يدفن ، وقال للقاتل وكان ابن عمّه : قطعت رحمك ، وأوهنت عزّك ، وقصصت جناحك ، وأمر بإطلاقه ،
--> ( 1 ) . من الاعتبار وسلوة العارفين : 621 . ( 2 ) . وذكر هذا أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني 17 : 394 . ( 3 ) . ونسب هذا البيت إلى مامة بن عمرو الإيادي والد كعب ، انظر المحبّر : 145 ، وأضاف بعده : ما كان من سوقة أسقى على ظمأ * خمرا بماء إذا ناجودها بردا من ابن مامة كعب ثمّ عيّ به * زوّ المنية إلّا حرّة وقدا ( 4 ) . نحوه في أمالي المرتضى 1 : 76 ، ومسكّن الفؤاد : 62 ، والاستيعاب 3 : 1295 .