علي بن مهدي الطبري المامطيري

268

نزهة الأبصار ومحاسن الآثار

أقضية « 1 » جامعة لك فيها جماع ما أردت ، و لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، و حَسْبُنَا اللَّهُ و عَلَيْهِ تَوَكَّلْنا . أمّا بعد ، فعليك بتقوى اللّه سبحانه لقيامك ومقعدك ، وسرّك وعلانيتك ، فإذا قضيت بين الخصمين فاقض بما في كتاب اللّه سبحانه [ وتعالى ] ، فإن هو لم يتبيّن لك فعليك بسنّة رسوله ، فإن لم تجد فيها فاقض بما قضى به الصالحون من أسلافك ، فإن لم تجد فاستشر فيه إخوانك من ذوي الرأي [ والورع ، واجتهد معهم رأيك ثمّ أمض قضاءك ] « 2 » ؛ فإنّ القضاء فريضة محكمة ، نزل بها القرآن من عند الرحمان ، وسنّة سنّها رسول اللّه صلّى اللّه عليه ، فإذا قضيت بين الناس فاخفض « 3 » لهم جناحك « 4 » ، وليّن لهم جنابك ، وابسط لهم وجهك ، وواس بينهم في اللحظة والنظرة حتّى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ، ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم ، وأن تسأل المدّعي البيّنة ، وعلى المدّعى عليه اليمين ، فمن صالح أخا صلحا فأجزه له صلحا « 5 » ، إلّا أن يكون يحلّ حراما أو يحرّم حلالا . وآثر الفقهاء وأهل الصدق والوفاء والورع على أهل الفجور والكذب والغدر ، وليكن الصالحون الأبرار إخوانك ، والفاجرون الغادرون أعداءك ، وليكن كلّ شيء فيما عندك من أمر دينك آثر عندك من غيره ؛ فإنّ أحبّ إخواني إليّ أكثرهم للّه ذكرا ، وأشدّهم منه خوفا ، وأنا أرجو أن تكون منهم . وأوصيك بتقوى اللّه فيما أنت عنه مسؤول ، وعمّا أنت إليه صائر ؛ فإنّ اللّه سبحانه [ وتعالى ] قال : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ * « 6 » وقال : كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ « 7 »

--> ( 1 ) . في النسخة : « قضية » والتصحيح بحسب نقل صاحب الاعتبار عنه . ( 2 ) . من كتاب الاعتبار وسلوة العارفين . ( 3 ) . ومن قوله : « فاخفض لهم جناحك ، وليّن لهم جنابك » إلى قوله : « من عدلك عليهم » رواه الشريف الرضي في صدر المختار ( 27 ) وآخر المختار ( 46 ) من الباب الثاني من نهج البلاغة . ( 4 ) . في الاعتبار وسلوة العارفين : « جانبك » . ( 5 ) . في الاعتبار وسلوة العارفين : « فأجز له صلحه ، إلّا أن يكون صلحا يحل . . . » . ( 6 ) . آل عمران : 185 . ( 7 ) . المدّثّر : 38 .