علي بن مهدي الطبري المامطيري
256
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
ثمّ ناوله رجل من السواد كتابا قطع به كلامه ، فلمّا فرغ من قراءته قال له ابن عبّاس : إن رأيت أتممت مقالتك من حيث أفضيت إليها ، فقال : هيهات يا بن عبّاس ، إنّها شقشقة هدرت ثمّ قرّت » . قوله نكثت شرذمة » أي : نقمت فرقة قليلة . قوله : مرقت طائفة » أي : خرجت طائفة عن الحقّ . قوله : قسط آخرون » أي : حاد آخرون . وأقسط : إذا عدل . قوله : راقتهم دنياهم » أي : أعجبتهم . وهذا شيء رائق ، أي : معجب .
--> - حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسّها ، ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم ، وإن أسلس لها تقحّم ، فمني الناس - لعمر اللّه - بخبط وشماس ، وتلوّن واعتراض ، فصبرت على طول المدّة ، وشدّة المحنة ، حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم . فيا للّه وللشورى ! متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم ، حتّى صرت أقرن إلى هذه النظائر ! لكنّي أسففت إذ أسفّوا ، وطرت إذ طاروا ، فصغا رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه ، بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال اللّه خضمة الإبل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث عليه فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته ! فما راعني إلّا والناس كعرف الضبع إليّ ، ينثالون عليّ من كلّ جانب ، حتّى لقد وطئ الحسنان ، وشقّ عطفاي ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم . فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت أخرى ، وقسط آخرون كأنّهم لم يسمعوا اللّه سبحانه يقول : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بلى ! واللّه لقد سمعوها ووعوها ، ولكنّهم حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها ! أما والذي فلق الحبّة ، وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجّة بوجود الناصر ، وما أخذ اللّه على العلماء ألّا يقارّوا على كظّة ظالم ، ولا سغب مظلوم ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها ، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ! قالوا : وقام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته ، فناوله كتابا [ قيل : إنّ فيه مسائل كان يريد الإجابة عنها ] ، فأقبل ينظر فيه [ فلمّا فرغ من قراءته ] قال له ابن عبّاس : يا أمير المؤمنين ، لو اطّردت خطبتك من حيث أفضيت ! فقال : « هيهات يا بن عبّاس ! تلك شقشقة هدرت ثمّ قرّت » قال ابن عبّاس : فو اللّه ما أسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام ألّا يكون أمير المؤمنين ع بلغ منه حيث أراد .