علي بن مهدي الطبري المامطيري

228

نزهة الأبصار ومحاسن الآثار

فقام إليه رجل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرنا على ما قاتلت « 1 » هؤلاء ؟ قال : قاتلتهم على نقض بيعتي ، وقتلهم شيعتي من المؤمنين ، مثل حكيم بن جبلة العبدي من عبد القيس ، وغيره من الأساورة « 2 » ، بلا جناية كانت منهم ولا ذنب ، غير انتظار قدومي والوفاء ببيعتي ، فو اللّه لو لم يقتلوا إلّا رجلا واحدا لحلّ بذلك قتالهم ، ولو أنّهم فعلوا ذلك بأبي بكر وعمر لقاتلهم » . فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرنا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [ أ ] واجب هو ؟ فقال : نعم ، سمعت رسول اللّه ص يقول : نّما أهلك اللّه الأمم السالفة قبلكم بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لقول اللّه سبحانه : كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ « 3 » وإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق اللّه ، فمن نصرهما نصره اللّه ، ومن خذلهما خذله اللّه ، وما أعمال البشر « 4 » كلّها والجهاد في سبيله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلّا كنفثة في بحر لجّي ، فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ؛ فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرّبان من أجل ، ولا ينقصان من رزق ، وأفضله كلمة عدل عند إمام جائر . وإنّ الأمر لينزل من السماء إلى الأرض كما ينزل قطر المطر إلى كلّ نفس بما قدّر اللّه سبحانه لها من زيادة أو نقصان ، في نفس أو أهل أو مال ، فإذا أصاب أحدكم نقصان « 5 » في شيء من ذلك ، ورأى الآخر ذا يسار ، فلا يكوننّ له فتنة ؛ فإنّ المرء

--> ( 1 ) . كتب أوّلا : « قتلت » ثمّ كتب فوقها : « قاتلت » والسياق يستدعي الثاني . ( 2 ) . والأسوار ، بالضمّ والكسر : قائد الفرس ، والجيد الرمي بالسهام ، والثابت على ظهر الفرس . راجع : القاموس المحيط ، مادّة : ( سور ) . ( 3 ) . المائدة : 79 . ( 4 ) . ورواه الشريف الرضي طاب ثراه في المختار ( 374 ) من قصار نهج البلاغة وقال : « وما أعمال البرّ كلّها والجهاد في سبيل اللّه عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلّا كنفثة في بحر لجيّ . . . » وهو الظاهر . ( 5 ) . في كنز العمّال : « نقصانا » .