علي بن مهدي الطبري المامطيري
227
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
فقام إليه عمّار ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرنا عن الكفر على ما بني ، كما أخبرتنا عن الإيمان ؟ فقال : نعم يا أبا اليقظان ، بني الكفر على أربع دعائم : على الجفاء والعمى والغفلة والشكّ . فمن جفا احتقر الخلق ، ومن جهر بالباطل مقت العلماء وأصرّ على الحنث العظيم . ومن عمي نسي الذكر ، واتّبع الظنّ ، وطلب المغفرة بلا توبة ولا استكانة . ومن غفل حاد عن الرّشد ، وغرّته الأماني ، وأخذته الحسرة والندامة ، وبدا له من اللّه ما لم يكن محتسبا . ومن شكّ في أمر اللّه تعالى عتا [ عليه ] ، ومن عتا عليه أذلّه بسلطانه كما فرّط في أمره ، واغترّ بربّه الكريم ، واللّه واسع لما يوليه من العفو والتيسير . ومن عمل بطاعة اللّه جلب بذلك ثواب اللّه ، ومن تمادى في معصية اللّه ذاق وبال نقمة اللّه . فهذا لك - يا أبا اليقظان - عقبى لا عقبى بعدها ، وحياة لا حياة بعدها » . فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، حدّثنا عن ميّت الأحياء ! فقال : نعم ، إنّ اللّه بعث النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، فصدّقهم مصدّقون ، وكذّبهم مكذّبون ، فيقاتلون من كذّبهم ، فمن صدّقهم فيما أظهره اللّه تعالى ومن صدّقهم فيظهرهم اللّه تعالى « 1 » ، ثمّ تموت الرسل فتخلف خلوف : فمنهم منكر للمنكر بيده ولسانه وقلبه ، فبذلك استكمل خصال الخير . ومنهم منكر للمنكر بلسانه وقلبه ، تارك له بيده ، فقد تمسّك بواحدة منهما . ومنهم تارك له بيده ولسانه ، فذلك ضيّع أشرف الخصلتين ، فقد تمسّك بواحدة منهما . ومنهم تارك له بيده ولسانه وقلبه ، فذلك ميّت الأحياء » .
--> ( 1 ) . وفي كنز العمّال : « فيقاتلون من كذّبهم بمن صدّقهم ، فيظهرهم اللّه ، ثمّ يموت . . . » .