علي بن مهدي الطبري المامطيري

222

نزهة الأبصار ومحاسن الآثار

فقام إليه عمّار ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ الناس يذكرون الفيء ، ويزعمون أنّ من قاتلنا فهو وماله وأهله وولده فيء لنا . فقام رجل من بكر بن وائل يدعى عبّاد بن قيس - وكان ذا عارضة ولسان شديد - فقال : يا أمير المؤمنين ، واللّه ما قسمت بالسويّة ، ولا عدلت في الرعية ! فقال : ولم ويحك ؟ ! » قال : لأنّك قسمت ما في العسكر ، ونزعت الأموال والنساء والذرّية ! فقال : يا أيّها الناس ، من كانت به جراحة قليل [ ة ] فليداوها بالسمن » « 1 » . فقال عبّاد : جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترّهات ! ! فقال له أمير المؤمنين : إن كنت كاذبا فلا أماتك اللّه حتّى تدرك غلام ثقيف » . فقال رجل من القوم : من غلام ثقيف ؟ فقال : رجل لا يدع للّه حرمة إلّا انتهكها » . فقيل له : أفيموت أو يقتل ؟ فقال : يقصمه قاصم الجبّارين ، قتله بموت فاحش ، يحترق منه دبره ؛ لكثرة ما يجري من بطنه . يا أخا بكر ، أنت امرؤ ضعيف الرأي ، أو ما علمت أنّا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير ، وأنّ الأموال كانت لهم قبل الفرقة ، وتزوّجوا على رشدة ، وولدوا على فطرة الإسلام ، وإنّما لكم ما حوى عسكرهم ، وما كان في دورهم فهو ميراث لذرّيتهم ، فإن عدا علينا أحد منهم أخذناه بذنبه ، وإن كفّ عنّا لم نحمل عليه ذنب غيره . يا أخا بكر ، أما علمت أنّ دار الحرب يحلّ ما فيها ، وأنّ دار الهجرة يحرم ما فيها إلّا بحقّ ، فمهلا مهلا رحمكم اللّه ، فإن لم تصدّقوني وأكثرتم عليّ - وذلك أنّه تكلّم في هذا غير واحد - فأيّكم يأخذ عائشة بسهمه ؟ ! » فقالوا : يا أمير المؤمنين ، أصبت وأخطأنا ، وعلمت وجهلنا ، فنحن نستغفر اللّه تعالى .

--> ( 1 ) . وفي كنز العمّال بعد هذا : « يا أخا بكر ، لقد حكمت فيهم بحكم رسول اللّه ص في أهل مكّة : قسم ما حوى العسكر ، ولم يعرض سوى ذلك ، وإنّما اتّبعت أثره حذو النعل بالنعل » .