علي بن مهدي الطبري المامطيري

223

نزهة الأبصار ومحاسن الآثار

ونادى الناس من كلّ جانب : أصبت يا أمير المؤمنين ، أصاب اللّه بك الرشاد والسّداد . فقام عمّار ، فقال : يا أيّها الناس ، إنّكم واللّه إن اتّبعتموه وأطعتموه لم يضلّ بكم عن منهل نبيّكم عليه السلام قيس شعرة « 1 » ، وكيف لا يكون ذلك وقد استودعه رسول اللّه ص علم المنايا والوصايا « 2 » وفصل الخطاب ، على منهاج هارون عليه السّلام ، وقال له : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبي بعدي » فضلا خصّه اللّه به ؛ إكراما منه لنبيّه عليه السّلام حيث أعطاه ما لم يعط أحدا من خلقه . ثمّ قال أمير المؤمنين : انظروا رحمكم اللّه ، ما تؤمرون به فامضوا له ؛ فإنّ العالم أعلم بما يأتي به من الجاهل الخسيس الأخسّ ؛ فإنّي حاملكم - إن شاء اللّه - إن أطعتموني على سبيل الجنّة وإن كان فيه مشقّة شديدة ومرارة عتيدة ، والدنيا حلوة الحلاوة لمن اغترّ بها ، من الشقوة والندامة عمّا قليل « 3 » . ثمّ إنّي أخبركم أنّ جيلا من بني إسرائيل أمرهم نبيّهم أن لا يشربوا من النهر ، فلجّوا في ترك أمره ، فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ، فكونوا رحمكم اللّه من أولئك القليل الذين أطاعوا نبيّهم ، ولم يعصوا ربّهم « 4 » . وأمّا عائشة فأدركها داء النساء ، ولها بعد ذلك حرمتها الأولى ، والحساب على اللّه سبحانه ، يعفو عمّن يشاء ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ » . ورضي بذلك أصحابه ، وسلّموا لأمره بعد اختلاط شديد ، وقالوا : حكمت فينا

--> ( 1 ) . قيس شعرة : قدرها ، يقال : بينهما قاس رمح ، أو قيس رمح ، أي : قدر رمح . ( 2 ) . هذا هو الصواب المذكور في كنز العمّال ، وفي الأصل المخطوط : « علم المزايا والوصايا . . . » . ( 3 ) . في النسخة كتب أوّلا : « عمل قليلا » ثمّ صحّحه بما أثبتناه مع علامة ظ ، وفي كنز العمّال : « وإنّ الدنيا حلوة الحلاوة . . . » . ( 4 ) . وهذا إشارة إلى قصّة طالوت المذكورة في الآية ( 249 ) من سورة البقرة ، وإليك نصّ الآية الكريمة : فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا . . . .