علي بن مهدي الطبري المامطيري
205
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
نفسك عوضا ، وإيّاك أن توجف بك مطايا الطمع ، ولا تأمن خدعة فتقول : متى ما أرى ما أكره أدع ، فهكذا هلك من كان قبلك . وأملك عليك لسانك ؛ فإنّ تلافيك ما فرّطت فيه من صمتك أيسر عليك من إدراكك ما فات من منطقك ، واحفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء ، وحسن التقدير مع القلّ أكفى لك من الكثير مع الإسراف ، والفقه مع الحرفة خير من ثروة مع الفجور « 1 » ، [ و ] المرء أحفظ لسرّه ، وربّ ساع بما يضرّه . وإيّاك والاتّكال على الأماني ؛ فإنّها بضائع النّوكى ، وتثبّط عن الآخرة والأولى ، وخير حظّ المرء قرين صالح ، فقارن أهل الخير تكن منهم ، وباين أهل الشرّ تبن عنهم ، ولا يغلبنّ عليك سوء الظنّ ؛ فإنّه لن يدع بينك وبين خليلك صلحا ، ذكّ قلبك بالأدب كما تذكّى النار بالحطب . كفر النعمة لؤم ، وصحبة الأحمق شؤم ، وفي الكرم لين [ و ] شيم ، وربّ مشيم بما يضرّه ، لا تبيتنّ في أمر على غرر ، واعرف الحقّ لمن عرف لك ، شريفا كان أو وضيعا ، واطرح عنك واردة الهموم بعزائم الصبر ، ومن ترك القصد خان « 2 » ، ونعم حظّ المرء القنوع ، وفي القنوط يكون التفريط ، ومن التوفيق الوقوف عند الحيرة ، ونعم طارد الهمّ اليقين ، من تعدّى الحقّ ضاق مذهبه ، وكم من دنف قد نجا ، وصحيح قد هوى ! وقد يكون اليأس إدراكا والطمع هلاكا ، الحياء سبيل كلّ جميل ، استعتب من رجوت عتابه ، ما أخلق من غدر بأن لا يوفى له ، الفساد ينثر الكثير ، والاقتصاد ينمي اليسير ، ليس كلّ طالب يصيب ، ولا كلّ راكب يؤوب ، ومن الكرم الوفاء بالذمم ومنع الحرم ، من حلم ساد ، ومن تفهّم ازداد . امحض أخاك النصيحة ، حسنة كانت أو قبيحة ، وساعده على كلّ حال ، وزل معه
--> ( 1 ) . والظاهر أنّه محرّف عمّا في نهج البلاغة : « والحرفة مع العفّة خير من الغنى مع الفجور » . ( 2 ) . هكذا في ظاهر رسم الخطّ من الأصل ، وفي نهج البلاغة : « من ترك القصد جار » .