علي بن مهدي الطبري المامطيري
202
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
وإقبال الآخرة إليّ « 1 » ، ما ينزع بي عن ذكر من سواي ، والاهتمام بما ورائي ، غير أنّي حيث تفرّد بي - دون همّ الناس - همّ نفسي ، فصدّقني رأيي ، وانصرف عنّي هواي ، وصرّح إليّ محض أمري ، وأفضى بي إلى جدّ لا يدني به لعب ، وصدق لا يشوبه كذب ، وجدتك بعضي ، بل وجدتك كلّي ، حتّى كأن لو أنّ شيئا أصابك أصابني ، وكأنّ الموت إذا أتاك أتاني ، فعناني في أمرك ما يعنيني في أمر نفسي ، كتبت إليك كتابي هذا . يا بنيّ ، إن بقيت أو فنيت أوصيك بتقوى اللّه تعالى ، ولزوم طاعته ، وعمارة قلبك بذكره ، والاعتصام بحبله ، وأيّ شيء أوثق من سبب بينك وبين اللّه تعالى إن أنت أخذت به ؟ ! فأحي قلبك بالموعظة الحسنة ، وأمته بالزهد ، وقوّه باليقين ، وذلّله بالموت ، وقرّره بالفناء ، وبصّره فجائع الدنيا ، وحذّره صولة الدهر ونحس الأيّام ، واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكّره ما « 2 » أصاب من كان قبله ، وسر في ديارهم وآثارهم ، وانظر ما فعلوا وأين حلّوا ، وعمّا قليل فإنّك تجدهم انقلبوا عن الأحبّة ، وحلّوا دار الغربة ، وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم . فأصلح مثواك ، ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف ، والنظر فيما
--> ( 1 ) . وجموح الدهر : استعصاؤه على الانقياد وتغلّبه . وفي الأصل كذا : « الدهر إليّ وإقبال الآخرة لديّ » . وفي الحديث الثاني من عنوان « الحكايات الوعظية » من كتاب المقاصد السنية 2 : 161 ، قال بعد ذكر سندين وذكر القطعة الأولى منه : « فإنّ فيما تبيّت من إدبار الدنيا عنّي ، وإقبال الآخرة إليّ ، وجموح الدهر عليّ ، ما يزعجني عن ذكر من سواي ، والاهتمام بما ورائي ، غير أنّي حيث تفرّد بي - عن هموم الناس - همّ نفسي ، فصدّقني رأيي ، وصرفني [ عن ] هواي ، وصرّح بي محض أمري ، فأفضى بي إلى جدّ لا يكون فيه لعب . . . » . وهذا وإن كان في جلّ الروايات في كتاب أمير المؤمنين إلى الإمام الحسن ع ما ذكرناه في المختار ( 111 ) من نهج السعادة ، فإنّ الكلام نفس الكلام ، ولأجل أن لا أنسى درجه في الطبعة القادمة في نهج السعادة ، ذكرته عن المقاصد السنية . ( 2 ) . في سائر المصادر : « بما » .