علي بن مهدي الطبري المامطيري
203
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
لم تكلّف « 1 » ، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته ؛ فإنّ الكفّ عن الضلالة خير من ركوب الأهوال ، وأمر بالمعروف تكن من أهله ، وأنكر المنكر بلسانك ويدك ، وباين من فعله بجهدك ، وتفقّه في الدين « 2 » ، وعوّد نفسك الصبر على المكروه ، ونعم الخلق الصبر ، وألجئ نفسك في أمورك كلّها إلى إلهك ؛ فإنّك تلجئها إلى كهف حريز ومانع عزيز ، وأخلص « 3 » المسألة لربّك ؛ فإنّ في يده العطاء والحرمان ، وأكثر في الاستخارة ، واحفظ وصيّتي ، ولا تذهبنّ عنك صفحا ؛ فإنّ خير القول ما نفع . واعلم يا بنيّ ، أنّه لا غنى بك عن حسن الارتياد ، وبلاغ الزاد مع خفّة الظهر ، فلا تحمل على ظهرك فوق بلاغك ، فيكون عليك ثقلا ووبالا ، وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك فيوافيك به حيث ما تحتاح إليه فاغتنمه ؛ فإنّ أمامك « 4 » عقبة كؤود لا محالة ، وإنّ مهبطها يكون على جنّة أو على نار ، فارفه « 5 » لنفسك قبل نزولك ، وأحسن إلى غيرك كما تحبّ أن يحسن إليك ، واستقبح لنفسك ما تستقبحه من غيرك ، وارض من الناس ما ترضى بهم ، ولا تقل بما لا تعلم ، بل لا تقل بكلّ ما علمت . واعلم يا بنيّ ، أنّ الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن بدعائك ، وتكفّل بإجابتك ، وأمرك أن تسأله ليعطيك ، وهو رحيم كريم ، لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه ، ولم يلجئك إلى من يشفع لك ، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ، ولم يعيّرك بالإنابة ، ولم يعاجلك بالنقمة ، ولم يفضحك حين تعرّضت للفضيحة ، وفتح لك
--> ( 1 ) . وفي أوائل المختار ( 31 ) من الباب الثاني من نهج البلاغة : « والخطاب فيما لم تكلّف » . ( 2 ) . ومن قوله : « وتفقّه في الدين » مع كثير ممّا بعده رواه ابن عبد ربّه في رسالة أمير المؤمنين ع إلى ابنه محمّد بن الحنفية ، في عنوان : « مواعظ الآباء للأبناء » في أواخر الرقم 3 من العقد الفريد 3 : 151 . ( 3 ) . الذي جاء في نهج البلاغة ، والاعتبار ، وغيرهما من المصادر : « وأخلص في المسألة » . ( 4 ) . هذا هو الظاهر الموافق لما أشرنا إليه من نهج البلاغة ، وفي مخطوطة نزهة الأبصار : « أمامه » . ( 5 ) . أي : اختر لنفسك رغد العيش ولينه ، وهو : الجنّة ، وذلك بصالح الأعمال ، أو اختر لنفسك مقاما فيه راحة وسعة . وفي سائر المصادر : ( ارتد ) .