علي بن مهدي الطبري المامطيري

134

نزهة الأبصار ومحاسن الآثار

من سورة مريم ، فبكى النجاشي حتّى اخضلّت لحيته ، وبكت أساقفته حوله ، ثمّ قال : إنّ هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى صلّى اللّه عليه ، انطلقوا راشدين ، واللّه لا أردّ واحدا منكم ، ولا أنعم عينهم بكم ، فخرجنا من عنده . فقال عمرو [ بن العاص ] لعبد اللّه بن أبي ربيعة : واللّه لآتينّه غدا بما أستأصل به خضراءهم ، ولأخبرنّه بما يقولون في عيسى . فقال عبد اللّه : لا [ تفعل ] فإنّهم وإن خالفونا فإنّ لهم رحما فينا ، ولهم علينا حقّ . فقال عمرو : واللّه لأفعلنّ . فلمّا كان من الغد دخل [ عمرو ] إليه ، فقال له : أيّها الملك ، إنّهم يقولون في عيسى قولا عظيما ، فأرسل إليهم فسلهم عنه ، فبعث إليهم ، فلمّا جاء الرسول قال بعضنا لبعض : ماذا نقول في عيسى إن سألنا عنه ؟ فقال جعفر : نقول - واللّه - الذي قال اللّه تعالى فيه ، وما أمرنا نبيّنا عليه السّلام أن نقول فيه ، فدخلوا عليه وعنده بطارقته . فقال النجاشي : ما تقولون في عيسى ؟ فقال جعفر : نقول هو عبد اللّه ورسوله وكلمته وروحه ، ألقاها إلى مريم العذراء البتول ، فمدّ النجاشي يده إلى الأرض ، فأخذ عودا بين إصبعيه ، فقال : ما عدا عيسى [ بن مريم ] « 1 » ما قلت هذا العويد ، فتناخرت « 2 » بطارقته عنه « 3 » ، فقال : وإن تناخرتم ، واللّه لا أسلّم واحدا منهم إليهم أبدا ، فو اللّه ما أخذ [ اللّه منّي ] الرشوة حين ردّ عليّ ملكي ، فآخذ الرشوة فيه ؟ ردّوا عليهما هداياهما ، فلا حاجة لي فيها ، [ ثمّ قال لعمرو وصاحبه : ] واخرجا من بلدي ، فخرجا مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به .

--> ( 1 ) . هذه الإضافة من مصادر أخرى ، والمراد : أنّ ما قلته لا يحيد عن عيسى بن مريم بمقدار هذا العويد . ( 2 ) . نخر : صوّت بخياشيمه . ( 3 ) . لفظة ( عنه ) لم ترد في الدلائل والمسند .