علي بن مهدي الطبري المامطيري
133
نزهة الأبصار ومحاسن الآثار
إليه هداياه ، ففعلا ما قالت قريش لهما ، ودخلا على الملك ، فقالا له : أيّها الملك ، إنّ فتية منّا سفهاء تركوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين مبتدع ما نعرفه ، وقد لجأوا إلى بلادك ، فبعثنا إليك آباؤهم وعشائرهم لتردّهم علينا فهم أعلى بهم عينا « 1 » . فقالت بطارقته : صدقوا أيّها الملك ، لو رددت عليهم كانوا أعلى بهم عينا ؛ فإنّهم لم يدخلوا في دينك ، فغضب الملك من ذلك ، وقال : واللّه لا أردّهم عليهم حتّى أدعوهم ، فأكلّمهم فأنظر في أمورهم ؛ إنّهم قوم لجؤوا إلى بلادي ، واختاروا جواري على جوار غيري ، فكيف أخونهم ؟ ! فأرسل إليه [ م ] النجاشي فجمعهم ، ولم يكن شيء أبغض إلى عمرو من أن يسمع [ النجاشي ] كلامهم ، فلمّا جاءهم رسول النجاشي ، اجتمع القوم وقالوا فيما بينهم : ماذا تقولون ؟ فقالوا : وماذا نقول واللّه ما نعرف شيئا ممّا جاء به نبيّهم ، فلمّا دخلوا عليه ابتدر جعفر لكلامه ، فقال له الملك : ما هذا الذي أنتم فيه ؟ ! فارقتم دين قومكم ، ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية ، فما هذا الدين ؟ ! فقال جعفر : أيّها الملك ، كنّا قوما على الشرك نعبد الأوثان ، ونأكل الميتة ، ونسيء الجوار ، ونستحلّ المحارم بعضنا من بعض في سفك دماء وغيرها ، لا نحلّ شيئا ولا نحرّمه ، فبعث اللّه سبحانه لنا نبيّا من أنفسنا ، نعرف وفاءه وصدقه وأمانته ، فدعانا لنعبد اللّه وحده لا شريك له ، ونصل الرحم ، ونحسن الجوار ، ونصلّي للّه ونصوم له ، ولا نعبد غيره . فقال : هل معك شيء ممّا جاء به ؟ وقد دعا أساقفته فنشروا المصاحف حوله ، فقال له جعفر : نعم ، فقال : هلمّ فاقرأ آية ممّا جاء به ، فقرأ صدرا
--> ( 1 ) . أي : أبصر بهم وأعلم بحالهم . لسان العرب ، مادّة : ( علا ) .