مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
70
موسوعه أصول الفقه المقارن
أمّا النقض فبأحكام كثيرة واردة فيما تعمّ به البلوى مع كون الخبر الدال عليها من الآحاد ، وذلك مثل ما ذكره العلّامة الحلّي من أنّ الصحابة رجعوا في أحكام الرعاف والقيء والقهقهة في الصلاة إلى الآحاد ، مع عموم البلوى فيها « 1 » . وما ذكره الآمدي من أنّ الوتر وحكم الفصد والحجامة والقهقهة في الصلاة ووجوب الغسل من مس الميت ، وإفراد الإقامة وتثنيتها من قبيل ما تعمّ به البلوى ، ومع ذلك قد أثبتها الخصوم بأخبار الآحاد « 2 » . قال الغزالي ردّاً على أبي حنيفة : « إن عنيت به ما يتكرّر في اليوم والليلة كالصلاة والطهارة فليس كذلك ، إذ معظم الصور المتعلّقة بالصلاة والسهو فيها انفرد به الآحاد . . . وقالوا لو كان لاستفاض ، فإنّ البسملة متكررة ، وهذا يعارضه إنّ الإسرار لو وقع لاستفاض أيضاً . . . » « 3 » . وأمّا الحلّ فبأنّ ذلك مقتضى إطلاق أدلة حجّية الخبر من الآيات والأخبار ونحوهما « 4 » . قال الآمدي : « وأمّا القرآن فإنما امتنع إثباته بخبر الواحد لا لأنّه ممّا تعمّ به البلوى ، بل لأنّه المعجز في إثبات نبوّة النبي صلى الله عليه وآله ، وطريق معرفته متوقف على القطع » « 5 » . نعم ، قد يقال بأنّ المخبر به إذا كان ممّا كثرت الدواعي وتوفرت على نقله بحيث يستحيل عادةً في مثله وحدة الخبر ، كقتل أمير في السوق ، أو وقوع زلزلة ونحوهما ، فإنّ وحدة الخبر في مثل ذلك يكشف عن كذب الخبر ، كما صرّح به الغزالي « 6 » . وهذا في الحقيقة من صغريات المسألة الآتية . كما قد يقال بصحّة مقولة أبي حنيفة في مقام ترجيح أحد المتعارضين ، حيث إنّ الخبر الواحد فيما لاتعمّ به البلوى أبعد عن الكذب إذا كان فيما يعمّ به البلوى « 7 » وحينئذٍ يعدّ ذلك من المرجّحات غير المنصوصة لأحد المتعارضين على الآخر . السابع : عموم الابتلاء وكشفه عن عدم الحكم ( عدم الدليل دليل العدم ) قد يعتبر عدم وجدان الدليل على حكم في مسألة كأمارة على انتفاء ذلك الحكم في الشريعة واقعاً ، خصوصاً إذا كانت المسألة ممّا تعمّ بها البلوى ، وهي من القرائن الموجبة لاطمئنان الفقيه ، ببيان : أنّ المسألة إذا كانت كذلك فقد تكثر الدواعي إلى نقلها والسؤال حولها عن المعصوم عليه السلام ، فإذا لم يجد الفقيه في حكم مثل تلك المسألة بياناً من صاحب الشريعة فقد يطمئنّ بعدم الحكم له واقعاً ، من دون احتياج إلى التمسّك بالأصول العملية المؤمِّنة من البراءة ونحوها ؛ لحصول العلم له على الفرض . قال المحقّق الحلّي : « اعلم أنّ الأصل خلوّ الذمّة عن الشواغل الشرعية ، فإذا ادّعى مدّعٍ حكماً شرعيّاً جاز لخصمه أن يتمسّك بالبراءة الأصلية ، ويقول : لو كان ذلك الحكم ثابتاً لكان عليه دلالة شرعية ، لكن ليس كذلك ، فيجب نفيه ، ولايتمّ ذلك إلّاببيان مقدمتين . . . » « 8 » . وقوله : « فيجب نفيه » قرينة على أنّ مراده من الأصل ليس أصالة البراءة ، بل المراد حصول العلم بالعدم . وقال الفاضل التوني ذيل هذا الكلام : « ولا يخفى أنّ هاتين المقدّمتين ممّا لا سبيل إليه إلّافيما تعمّ به البلوى » « 9 » .
--> ( 1 ) . مبادئ الوصول : 209 . ( 2 ) . الإحكام 1 - 2 : 340 . ( 3 ) . المنخول : 285 . ( 4 ) . الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 339 - 340 ، مبادئ الوصول : 209 . ( 5 ) . الإحكام 1 - 2 : 342 . ( 6 ) . المنخول : 247 - 248 ، المستصفى 1 : 201 - 202 . ( 7 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 469 . ( 8 ) . معارج الأصول : 212 . ( 9 ) . الوافية : 179 .