مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

69

موسوعه أصول الفقه المقارن

الشيء - كما مرّ تفصيله - كذلك يكون بعدم القدرة الشرعية عليه ، كما إذا علم بنجاسة أحد الإنائين مع العلم تفصيلًا بغصبية أحدهما المعيّن ، فالمغصوب خارج عن محلّ الابتلاء شرعاً ، فيبقى الطرف الآخر مؤمّناً عنه بقاعدة الطهارة ونحوها « 1 » . وأُورد عليه بأنّ العلم التفصيلي بحرمة شرب أحد الطرفين بالخصوص لغصبيته تكليف آخر وضيق جديد على عهدة المكلّف ، ولا يمنع ذلك من جريان الأصل المؤمّن بالنسبة للتكليف المحتمل الآخر بالنسبة للأطراف حتى هذا الطرف المعلوم يغصبيته ، لأنّه بذلك يؤمّن عن الضيق والعقاب الزائد ، فيقع التعارض بين الأصلين لا محالة ، وبتعبير آخر : يكفي لصحة الخطاب مجرد القدرة العادية على الاستيلاء خارجاً « 2 » . نعم ، بناءً على مسلك الشهيد الصدر في تفسيره لعدم جريان الأصل في الطرف الخارج عن محلّ الابتلاء بالارتكاز العرفي قد يقال : إنّ دليل الأصل منصرف عن الإناء المغصوب كما كان منصرفاً عن الإناء الخارج عن محلّ الابتلاء تكويناً ؛ لكونه بحسب الدقة وإن كان يوجد هنا أيضاً تزاحم بين ملاك ترخيص شرب الطاهر وملاك إلزامي في حرمة شرب النجس ، إلّاأ نّه حيث لا يجوز شربه على كلّ حال لكونه مغصوباً فكأنّ العرف لا يتعقل مثل هذا التزاحم الحيثي ، فلا يرى شمول دليل الأصل الترخيصي له بلحاظ حرمة شرب النجس ، ولكن أجيب عنه أيضاً بما ليس هنا محلّ ذكره « 3 » . السادس : كثرة الابتلاءات وكشفها عن عدم حجّية الخبر الواحد أو عدم صدوره نُسب إلى الكرخي وأبي حنيفة وبعض أتباعه من أهل الرأي عدم العمل بخبر الواحد إذا كانت المسألة ممّا تعمّ بها البلوى ، ببيان : أنّ المسألة إذا كانت كثيرة الابتلاء فبطبيعة الحال تكون الأخبار الواردة في حكمها أيضاً كثيرة وغير منحصرة في الواحد ، إلّاأن يفرض كون المسألة ممّا تكثر الدواعي إلى إخفائها ، وإلّا فقلة الخبر وشذوذه في مثل هذا الموضوع تكشف عن عدم صدوره ، أو عدم حجّيته « 4 » . وهذا المبنى يظهر من الشيخ الطوسي ، والمحقّق الحلّي أيضاً ، قال الشيخ الطوسي : « والعادة قاضية بأنّ الأمر لو كان بهذا الضيق في مثل هذا الأمر العامّ البلوى ، لتواتر إلينا من النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام وأصحابهم المنع من العمل به والتضييقات فيه ، ولم يبلغ إلينا دون التواتر ، فضلًا عن التواتر . . . » « 5 » ، وقال المحقّق الحلّي : « لأنا نقول : لو كان كذلك لما اختص الخصم بعلمه دوننا ؛ لما ذكرناه عن عموم البلوى به وزوال الأغراض الباعثة على إخفائه » « 6 » . ولكن هذا التفصيل مردود عند أكثر العلماء - كما نسبه إليهم الآمدي « 7 » - فإنّهم حكموا بأنّ الخبر الواحد لو قيل بحجّيته فهو حجّة مطلقاً ، بلا فرق بين ما تعمّ به البلوى وغيره ، ولو قيل بعدم حجّيته فكذلك . وقد أجابوا عمّا مرّ من الدليل على التفصيل نقضاً وحلًاّ .

--> ( 1 ) . فوائد الأصول 4 : 65 . ( 2 ) . انظر : فوائد الأصول 4 : 66 ( الهامش ) ، بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 5 : 298 - 299 . ( 3 ) . انظر : بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 5 : 299 . ( 4 ) . انظر : الفصول في الأصول 2 : 293 ، اللمع : 257 ، المنخول : 201 - 203 ، المستصفى 1 : 202 ، المجموع شرح المهذّب 5 : 265 . ( 5 ) . العدّة في أصول الفقه 1 : 280 - 282 ، 338 . ( 6 ) . معارج الأصول : 189 . ( 7 ) . الإحكام 1 - 2 : 339 .